الخميس، 26 مارس 2009

النخب السياسية POLITICAL ELITES



النخبة السياسية

من أهم موضوعات علم الاجتماع السياسي نظرية النخبة السياسية، التي يذهب أنصارها إلى أنها حقيقة موضوعية، لأن الشواهد التاريخية وواقع المجتمعات السابقة والمعاصرة، تتميز بوجود أقلية حاكمة، محتكرة لأهم المناصب السياسية والاجتماعية، وبيدها مقاليد الأمور، وأغلبية محكومة منقادة وليس لها صلة بصنع القرار السياسي بشكل عام.
ومع أن عمر تبلور هذه النظرية قد زاد على نصف القرن، إلا أن اللبس والغموض يصاحبها من جوانب كثيرة ومهمة، منها علاقتها مع النظم الشمولية والديمقراطية، آليات اختيار وعمل هذه النخبة، العلاقة ما بين النخبة السياسية والاجتماعية وهكذا.
لقد أسهم كارل ماركس وماكس فيبر في تأسيس علم الاجتماع السياسي من خلال دراستهما لتطور النظريات السياسية وصلة ذلك بالمجتمع إلا أن تطور هذه النظرية قد وجه سهام النقد للنظرية الاشتراكية فضلا عن النظريات الديمقراطية، لأن نظرية النخبة تشكك بالصحة العلمية لكلا النظريتين، وتبني تحليلها للنظام السياسي انطلاقا من حقيقة القلة الحاكمة والأغلبية المحكومة.
ولكن ما هي النخبة؟ وهل اتفق منظورها على صياغة موحدة لتعريفها؟ ربما كانت دراسة بوتومور حول النخبة والمجتمع من أهم الدراسات التي حاولت أن تفجر كثيرا من الأسئلة حول نظرية النخبة والاجتهادات النظرية فيها تاركة الإجابة على كثير من الإشكالات للزمن الذي سيعتمد دراسة هذه النظرية وسيجد الإجابات على ما قصرت الدراسات المتواجدة عن الإجابة عنه.
ومن رواد نظرية النخبة العالم باربتو، وهو يرى أن النخبة هم اؤلئك الذين يتفوقون في مجالات عملهم في (مباراة الحياة) وحين يجد أن هذا التعريف مستوف يستدرك الأمر وينتقل إلى المجال الأضيق في تعريف النخبة، فيقوم بربط مفهوم النخبة الاجتماعية بقدرة هؤلاء المتفوقين على ممارسة وظائف سياسية أو اجتماعية تخلق منهم طبقة حاكمة ليست بحاجة إلى دعم وتأييد جماهيري لأنها تقتصر في حكمها على مواصفات ذاتية تتمتع بها، وهذا ما يميزها ويؤهلها لاحتكار المناصب.
ويأتي الرائد الثاني موسكا الذي يضيف على تعريف باربتو قائلا إن من أهم أسباب تميز الطبقة الحاكمة عن الطبقة المحكومة- وهو هنا لا يأخذ بالمدلول الماركسي لمعنى الطبقة- هو قوة تنظيم الأولى، ووجود دافع وهدف معين تسعى إليه في مواجهة أغلبية غير منظمة، إلا أنه يؤكد على أهمية اعتماد طبقة الحاكمين على موافقة ورضى الجماهير، وهذا الطرح يقرب ما بين نظرية النخبة السياسية والديمقراطية عكس ما انتهى إليه باربتو.
لقد انطلق الرائد الثالث ميشيال روبرتو في تعريف للنخبة السياسية من خلال واقع عمل الأحزاب السياسية ليكتشف بأن هناك عوامل متباينة تحدد طبيعة عمل التنظيمات بدءا من الحزب إلى الدولة، فهو يرى أن النشأة الديمقراطية للأحزاب تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات خاضعة إلى حكم قلة من الأفراد، لأن التنظيم يحتاج إلى أقلية منظمة، وهذه الأقلية تستحوذ على السلطة من خلال موقعها في مركز اتخاذ القرار، وهو ما يسمى بالأقلية الذي لم يلتفت إليه ماركس في دراساته السياسية.
أما الرائد الرابع رايت ملز ومن خلال دراسته لمجتمع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ربط بين النخبة وقدرتها على التحكم بموقع اتخاذ القرار، فهي نتاج للبناء المؤسساتي للدولة، وقد وجد أن مؤسسات ثلاث هي المتحكمة في أمريكا وهي العسكرية والسياسية والشركات الكبرى، وهذا معناه أن النخبة تتشكل من أولئك الذين يشغلون مواقع قيادية في هذه المؤسسات.
ويؤكد بوتومور في كتابه النخبة والمجتمع أن ملز متأثر في تعريفه بضغوط الصراع العالمي التي شغلت أمريكا في عصره، وتصنيفه إنما هو بالتالي إشارة إلى تتابع الإحداث.
إن هذا التباين والاختلاف في تعريف النخبة جعل بوتومور غير قادر على حسم الموضوع، أو أن يعطي تعريفا متميزا، لذلك فهو يحاول إعطاء توليفة من تعريفات من سبقوه وبشكل حذر، حيث يميز بين (النخبة) بشكل عام، والأقلية التي تحكم المجتمع، فيقول (إذا استعملنا الاصطلاح العام (النخبة) لتلك الفئات ذات الوظائف، فإننا عندها نحتاج مصطلحا نطلقه على تلك الأقلية التي تحكم المجتمع، وهي ليست فئة وظائفية بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة، ولكنها في أية حالة من الأحوال ذات أهمية اجتماعية عظيمة مما يجعلها جديرة بأن يكون لها اسم خاص مميز، سأستعمل هنا مصطلح موسكا (الطبقة السياسية) للإشارة إلى كل تلك الفئات التي تمارس السلطة أو التأثير السياسي والتي تمارس السلطة السياسية أو التأثير السياسي والتي تدخل في صراعات مباشرة في سبيل القيادة السياسية، وسأميز فئة صغرى ضمن الطبقة السياسية، وهي النخبة السياسية الشاملة للأفراد الذين يمارسون السلطة السياسية في مجتمع ما في وقت من الأوقات).
وهذا يعني أن بوتومور يرسم هرما نخبويا داخل المجتمع في قمته الممارسون للسلطة السياسية أو من يسميهم بالنخبة السياسية، وفي قاعدته النخبة المجتمع، أي كل الفئات ذات الوظائف المتميزة، وفي وسطه الأقلية المنبثقة من القاعدة أو النخبة الاجتماعية والتي تشترك بالحياة السياسية، ممارسة واهتماما، وتدخل في صراع مباشر للوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، والتي يسميها بالطبقة السياسية، وهذا يعني بشكل أو بأخر أن النخبة السياسية التي تتربع على قمة الهرم تتميز بأنها غير ثابتة في موضوعها، فيمكن أن ينزلوا ليصبحوا من الطبقة السياسية، وحتى من عناصر عاديين في النخبة الاجتماعية.
وهو بهذا التعريف لا يميز بين النخبة السياسية وغيرها بالأفضلية والتفوق، حيث يعتبرهم من في يدهم مقاليد السلطة السياسية، إلا أنه يميز بشكل أو بآخر عقوبة النخبة السياسية بالمفهوم السابق ومن يعتبرهم (طبقة سياسية) فيقصر عقوبة النخبة السياسية بالممارسين الفعليين للسلطة أما الناشطون سياسيا من أحزاب معارضة ونقابات وجمعيات ومثقفون فهم يدمجون في إطار الطبقة السياسية.
لقد ساهمت وبشكل مباشر كل هذه الدراسات النظرية في تقارب التعريفات الأخرى مع ما جاء به بوتومور فعرفت القواميس الإنجليزية كلمة (النخبة Elite) بأنها أقوى مجموعة من الناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة، وذات اعتبار، أما القواميس الفرنسية فعرفت النخبة أنها تضم أشخاصا وجماعات الذين بواسطة القوة التي يمتلكونها أو بواسطة التأثير الذي يمارسونه، يشاركون في صياغة تاريخ جماعة ما، سواء كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات أو الأفكار والاحساسات والمشاعر التي يبدونها أو التي يتخذونها شعاراً لهم.



نخب سياسية.. نخب ثقافية

ـ مدخل ـ
النخب عموماً، هي الفئات التي تتميز عن بقية أفراد المجتمع من خلال قدرتها على الفعل والإنتاج في مجالها المحدد ـ سياسة، اقتصاد، ثقافة، علوم، الخ ـ وحين نقول نخب سياسية فلا بد أننا نعني بها الأفراد والجماعات التي تمتلك خطاباً سياسياً، وتفترض نفسها قائدة أو موجهة للمجتمع، أو لمكونات منه، وتسعى من ثم إلى الفوز بالسلطة السياسية عبر وسائل مشروعة أو غير مشروعة. وبالمقابل فإن عبارة نخب ثقافية تحيلنا إلى أفراد وجماعات أيضاً، تهتم بالشأن الثقافي، وتسعى لممارسة التأثير على ذهنية المجتمع “قيمه ومعتقداته وأفكاره وأخلاقه وحتى عاداته وتقاليده”. ولسوء الحظ لا توجد معايير دقيقة أو حدود صارمة ونهائية يمكننا من خلال اعتمادها معرفة وفرز من هم في ضمن النخب السياسية أو الثقافية، ومن هم خارجها. وفي معجم ( علم الاجتماع ) الذي حرره البروفيسور دينكن ميشيل يعرّف النخبة بأنها جماعة أو نخبة من الأفراد يُعترف بعظمتها في التأثير والسيطرة على شؤون المجتمع، وهي الأقلية الحاكمة التي تتمتع بسلطان القوة والنفوذ والتأثير أكثر مما تتمتع به الطبقة المحكومة، والنخبة بهذا المعنى تكوّن أقلية متماسكة، إلا أن البروفيسور ميشيل يعود ليعطي تعريفاً للنخبة يتعدى مفهوم السيطرة السياسية ليعني “أي جماعة أو صنف من الناس أو مجموعة من الأفراد يملكون بعض الصفات والقابليات التي يثمنها المجتمع كالقابلية العقلية العالية، المراكز الإدارية الحساسة، القوة العسكرية، السلطة الأخلاقية، أو السمعة العالية والتأثير الكبير. لكن هؤلاء الأفراد الذين يتمتعون بهذه الصفات قد يتميزون بالتماسك أو الفرقة والانقسام وقدراتهم في التأثير في الجماهير تفوق قدراتهم في حكم الجماهير..”(1)وقد يكون في هذا المقام تمييز أدغار مورانا بين نمطين من المثقفين، وهما “Intelligentsia ” و ” “Intellectuelمفيداً حيث المفهوم الأول شمولي وروسي، يبرز نمطه في وضعية تتصف بجمهرة غير مثقفة وبسلطة بربرية، أما الثاني فناتئ وفرنسي ويبرز نمطه داخل مجتمع أقل حدة في تناقضاته، تنتشر فيه الثقافة داخل مجال واسع منه (2).
يتحدث جوليان بندا عن المثقفين الذين يعيشون “في ما يشبه الحيز الكوني، غير مقيدين لا بحدود قومية، ولا بهوية عرقية” وهؤلاء على وفق ما يرى “عصبة صغيرة من الملوك/ الفلاسفة الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية، وبالحس الأخلاقي الفذ، ويشكلون ضمير البشرية” (3) غير أننا في هذا المقام نقصد بالمثقفين شريحة أوسع بكثير من تلك العصبة الصغيرة.. شريحة تتميز عن غيرها بأن ما يهمها، أو ما يشغلها هو حس المعنى، أو قضية المعنى، مثلما يرى دوركهايم ومحمد أركون.
وحيث أن البناء الفوقي الإيديولوجي يكون هو العنصر المهيمن في المجتمعات السابقة على الرأسمالية كما يقول سمير أمين فإن الاهتمام والانهمام بالسياسة سيفوق الاهتمام والانهمام بالاقتصاد والتنمية، وفي أغلب الأحيان يكون هو البديل الأسهل للتحكم والسيطرة وممارسة السلطة.. لن يكون مصدر القوة الأول هو القدرة على الإنتاج المادي أو المعرفي، بل السلاح ومناورات السياسة. وهنا لن تكون الثقافة حقلاً دينامياً لتنمية المعارف والفنون والعلوم بل إيديولوجيا أو إيديولوجيات محروسة بقوة السلاح تتحول هي الأخرىـ أي الإيديولوجيا ـ إلى أداة قمع وإرهاب وسيطرة. ولذا انهمك المثقفون كما هو حال الساسة على التفكير بالسلطة السياسية أكثر من تفكيرهم ببناء ثقافة عصرية للمجتمع. يقول أدونيس ” إن المثقف العربي كان ينتج ثقافة، وفي ذهنه أنه يعمل لتأسيس نظام سياسي. كان مثقلاً بهمّ السلطة. كان يعارض السلطة القائمة باسم سلطة أخرى تحل محلها، ولهذا كان نتاجه ـ أي دوره الثقافي ـ وظيفياً من جهة، وتسويغياً، من جهة ثانية. إما أنه يخدم قضية أو اتجاهاً، وإما أنه يسوغ ممارسة”(4).
كانت الأطروحة الإيديولوجية تبدأ غالباً من خلال منطق ونشاط ثقافي وآليات ثقافية وغائية ثقافية قبل أن تتلبس بلبوس السياسة. وثمة نخب، بدأت من مواقع الثقافة قبل أن تقتحم مواقع السياسة كما هو الحال مع كثر من الآباء المؤسسين للحركات والأحزاب العربية، كما أن الماركسية والفاشية والليبرالية كانت كلها أطروحات ثقافية قبل أن تتحول إلى تيارات سياسية. وهناك سياسيون جاءوا من منطقة الثقافة وآخرون جاءوا من ثكنات العسكر، والأخيرين، في الغالب كانوا يندفعون بتأثير من موجهات ثقافية.اجرائياً يغدو من الصعب فك الارتباط بين السياسي والمثقف ولا سيما في بلدان العالم الثالث فالسياسة والثقافة تخترق أحداهما الأخرى بقوة وعمق. ولأجل التمييز بين السياسي والمثقف في إطار هذا المقال نلجأ إلى العنصر الوظيفي فالسياسي هو من يكون شاغله السياسة والموقع السياسي. أما المثقف فهو من ينشغل بالمعضلة الثقافية، بإنتاج القيم الثقافية ونشرها معتمداً وسائل التأثير في العقليات والقيم والسلوك.
يدخل المثقف منطقة السياسي حين ينتج خطاباً موجهاً للآخرين، فهو بدءاً من هذه اللحظة يرمي إلى التأثير والتغيير. وهو يقرأ ويحلل ويفسر الحدث والظاهرة ويؤولهما من أجل أن يؤثر ويغير. فالتأثير والتغيير ممارستان سياسيتان وهدفان سياسيان. وبدءاً من هذه اللحظة أيضاً تأخذ العلاقة بين المثقف والسياسي منحى إشكالياً. يحاول السياسي أحياناً استعارة أو حتى سرقة دور المثقف، وعمل مؤسسات السياسة من أجل تحقيق مشروعها السياسي، في مجتمع ما، سيؤول، في النهاية، بلا أدنى ريب، إلى تبدلات في النسيج الثقافي لذلك المجتمع. كما يحاول المثقف، في أغلب الأحيان، ولا سيما في مناطق الاضطراب السياسي، أو الحراك السياسي العنيف الدخول إلى منطقة السياسي، ومزاحمته في التأثير على مسار الحدث، وعلى قناعات المجتمع. وفي هذه الأثناء تشرع السلطة ـ أية سلطة ـ ومنها السلطة السياسية، باللعب في علاقتها بالمثقفين بآليتي الإقصاء والإدماج كي تفرز العصي على الاحتواء من ذلك الذي من الممكن أن يمتثل رغبة أو رهبة.
* * *
لسوء الحظ لم يجر تأريخ أو أرخنة تحولات النخب السياسية والنخب الثقافية وصراعات الأفكار والإيديولوجيات في العراق بصورة منهجية شاملة وبأدوات التحليل الاجتماعي للثقافة والسياسة كما هو الحال في مصر، في سبيل المثال، ومؤلفات “رفعت السعيد ومحمد حسنين هيكل وغالي شكري وعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم ولويس عوض وغيرهم تعين أي باحث يسعى لتقصي تطور النخب على خلفية التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ذلك البلد. وأحسب أن هناك، عراقياً، عشرات ومئات آلاف الوثائق من كتب وأطاريح جامعية وبحوث ودراسات منشورة في الصحف والدوريات المختلفة، ونشرات وبيانات لجماعات وتيارات وأحزاب وحكومات متعاقبة تشكل مادة أولية خصبة لأرخنة تلك التحولات منهجياً. وإن المرحلة المقبلة تهيئ فرصة مناسبة للباحثين والدارسين والمؤسسات البحثية والأكاديمية لخوض تجربة كهذه لما لها من أهمية علمية وتاريخية وسياسة وثقافية تمكّن الأجيال الصاعدة من تحسس مواطئ أقدامها من جهة، والتعرف على هويتها الوطنية من جهة ثانية.
تتكون النخب تاريخياً بتأثير عوامل سياسية واجتماعية شتى، داخلية وخارجية، وفي حاضنة ثقافية ما، ويبقى دور تحدرها الطبقي حاسماً في منحها صفاتها وخصائصها وطبيعتها، ومحتوى وشكل أطرها المؤسساتية وتوجهاتها الإيديولوجية. ولا يحدث كل شيء بفعل قوانين حتم تاريخي. أي أن مآل ونجاحات وإخفاقات هذه النخب تقررها أيضاً الضغوطات والتحديات التي تواجهها، والتشوهات العرضية التي تصيبها، ومصادفات التجربة التي تعترض مسيرتها، تلك التي تعينها، أو تلك التي تعيقها.
خرج الجيل الأول من النخب السياسية العراقية الحاكمة من تحت عباءة العسكر العثماني، ومن انخرط منهم في ثورة الشريف حسين في الحجاز، وقاد مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 المؤسسات الناشئة. أما الجيل الثاني فخرج مثل أسلافه من تحت عباءة العسكر أيضاً، وهذه المرة كان العسكر الراديكالي، فقاد سلسلة من الانقلابات في صراع دموي على الحكم منذ ثورة 14 تموز 1958 وفي الحالتين كانت النخبة العسكرية هي الحاكمة فعلياً، وحتى المدنيين من الساسة الحكام، باستثناءات قليلة، ارتدوا بزة العسكر حيث غابت الشرعية الدستورية لصالح شرعية القوة والقمع والقهر. ولأن المجتمع المدني، والمدينة ذات التقاليد والمؤسسات العصرية لم يكونا قد وجدا بعد، ولأن معظم هؤلاء وأولئك كانوا متحدرين في الغالب من أصول ريفية ـ عشائرية، فقد امتزجت، ها هنا، تقاليد إدارة الثكنة مع تقاليد إدارة العشيرة ممهدةً ومؤسسةً لدولة هجينة لا يمكننا بأي حال أن نسميها دولة القانون والمؤسسات لحكم مجتمع من الصعب أن نطلق عليه تسمية المجتمع المدني.
إن حزمة الشروط والعوامل والظروف الموضوعية التي أنتجت النخب السياسية العراقية هي ذاتها، إلى حد بعيد، التي أنتجت النخب الثقافية العراقية. وفي أوقات معينة كان التماهي بين النخبتين ظاهراً، على الرغم من بقاء العلاقة ملتبسة بينهما، فقد كانتا تتحركان في ضمن حاضنة اجتماعية ـ تاريخية واحدة، وتتقاطعان في اللحظة التي تتباين فيها مواقعهما إذ يتبوأ السياسي المركز تاركاً المثقف في الهامش. ولعلنا، انطلاقاً من هذه الحقيقة، نستطيع تأشير كثر من السمات والأمراض المشتركة بينهما، بدءاً من اللغة المستخدمة ذات المحمول السياسي/ الإيديولوجي الثقيل، وليس انتهاءً بالازدواجية بين الفكر والسلوك. وتاريخياً كان هناك سوء فهم وربما سوء نية أيضاً في العلاقة بين النخبتين وقد خشي السياسيون منتجي الثقافة من الذين كانت عدتهم على الدوام المساءلة والشك وتخطي الخطوط الحمر، وربما المراوغة كذلك، والتورية والغموض.
* * *
أنشأ التماس مع الآخر/ الغرب بوجهيه ( الاستعمار والتمدن ) نمطين من النخب السياسية. النمط الأول؛ هم اللبراليون وهؤلاء تحدروا إما من الطبقة شبه الإقطاعية الآفلة القديمة، أو من البورجوازية الناشئة. النمط الثاني؛ وهم الراديكاليون من قوميين وماركسيين تبنوا الفكر الاشتراكي برؤى مختلفة، وهؤلاء في غالبهم كانوا متحدرين من البورجوازية الصغيرة التي تكونت في كنف الدولة الفتية أو من أصول ريفية، أو كانوا عسكريتاريا ذات أصول ريفية ولا سيما القوميون منهم، أو ممن نشأوا في هوامش المدن التي تكونت مع الهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ومعظمهم من المحافظات الجنوبية. وهذه الهوامش سيكون لها دور مؤثر في التوزيع الديموغرافي العراقي فيما بعد.. كان الحافز لنشوء هذين النمطين هو ما يمكن تلخيصه بعبارة صدمة الاستعمار ووعي التخلف. وكانت هذه النخب تولد في العراق بالتوازي مع، أو بمحاكاة ما كان يحصل في مصر وبلاد الشام. أما الإسلام السياسي فنشأ في مرحلة تالية كرد فعل لنشوء هذين النمطين ولأسباب موضوعية أخرى ليس هنا مجال الخوض فيها.
ولم تكن ولادة الأنتلجنسيا، أي النخب الثقافية العراقية الحديثة بعيدة عن هذا المناخ. وقد تأثرت هذه النخب، وهي في مرحلتها الجنينية، بما كان يحدث في مركز الإمبراطورية العثمانية المريضة من إرهاصات تغيير وتحديث، وبما كان يجري في المحيط العربي منذ انطلاقة ثورة الشريف حسين في الجزيرة العربية بمساندة ورعاية استخبارية وعسكرية بريطانية. وما حصل من تغييرات جيوبوليتيكية بعد الحرب العالمية الأولى من تقسيم لميراث الإمبراطورية العثمانية المهزومة والمفككة بين المنتصرين ـ بريطانيا وفرنسا ـ كذلك فشرارات النهضة الفكرية في البلدان العربية الأخرى مثل مصر وبلاد الشام كانت قد وصلت إلى العراق قبل ذلك، ناهيك عمّا جاء به الرعيل الأول من الذين تماسوا مع فكر الغرب بشقيها الليبرالي والماركسي. وبهذا نشأت النخب هذه في حاضنة السياسة، أو تحت تأثير الهمّ السياسي. وإذ تأخرت انعكاسات عصر النهضة على الوضع العراقي نسبياً بسبب عوامل ذاتية وموضوعية فإن النخب العراقية، مع بدء تأسيس الدولة/ الأمة العراقية في 1921 وجدت نفسها ملزمة بتكوين رؤية وخطاب ثقافيين/ سياسيين يرهص لمشروع وطني حقيقي. بيد أن هذا المشروع لم يتوضح قط، وبقي مضبباً، وبين شد وجذب، طوال أكثر من ثمانية عقود، في برامج الأحزاب السياسية، وفي تضاعيف الإيديولوجيات المتبناة من قبل النخب والقوى السياسية والثقافية. ولم يحصل عليه ، وعلى أسسه إجماع فاعل، بينها. أو بعبارة أخرى؛ إن هذا المشروع الوطني نُسي في حمى الصراع السياسي على كرسي السلطة من جهة، وفي السجالات الفكرية العقيمة بين النخب من جهة ثانية.
كانت التغييرات الحاصلة مفاجئة ومتسارعة وصادمة بالقياس إلى قرون من التراجع والركود الحضاري امتدت لقرون منذ سقوط بغداد على يد المغول في القرن الثاني عشر الميلادي. وكانت التناقضات والإشكاليات والمفارقات التي رافقت مسألة تأسيس الدولة العراقية قد انعكست بعمق على طبيعة نخبها السياسية والثقافية الوليدة، حيث لم تستطع التخلص من بعض عقابيلها وتداعياتها حتى يومنا هذا.
::. سعد محمد رحيم
الهوامش:____________________________1ـ ( معجم علم الاجتماع ) تحرير البروفيسور دينكن ميشيل ـ ترجمة الدكتور إحسان محمد الحسن ـ دار الرشيد للنشرـ بغداد.. ط1/ 1980 الصفحات؛ 117 ـ 121.2 ـ ( علم اجتماع المعرفة ) الدكتور معن خليل عمر ـ منشورات جامعة بغداد/ 1991 ـ ص 267.3 ـ نقلاً عن ( صور المثقف ) إدوارد سعيد.. ترجمة؛ غسان غصن ـ ص 22.4 ـ ( النظام والكلام ) أدونيس ـ دار الآداب ـ بيروت.. ط1/ 1993 ـ ص25.



النخبة السياسية في المغرب؛ أية رهانات؟

د. إدريس لكريني
12 فبراير 2008

مقدمة
تنطوي دراسة النخبة في أي مجتمع على أهمية كبرى باعتبارها تسهم بشكل كبير في فهم وتفسير السلطة السياسية داخل الدولة، فداخل أي مجتمع نجد هناك فئة محدودة حاكمة؛ تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..؛ وتلعب أدوارا طلائعية داخل النسق السياسي وتملك سلطات على مستوى اتخاذ القرارات أو التأثير في صياغتها في أقل الأحوال، وأخرى واسعة محكومة ولا تملك نفس الإمكانيات فيما يخص صناعة هذه القرارات.
وهكذا توجد في كل مجتمع من المجتمعات نخبة أتيحت لها إمكانية الاضطلاع بأدوار رئيسية ومهمة في مختلف المجالات.
ويكتسي طرح موضوع النخبة السياسية في المغرب خلال هذه المرحلة أهمية كبرى بالنظر لمظاهر التحول الذي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة؛ والمسؤوليات التي يفترض أن تتحملها هذه النخب على طرق بناء مجتمع ديموقراطي.أولا- السياق التاريخي
سارت معظم الدراسات التي انصبت على مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب، في اتجاهين، الأول: أنكر وجود نظرية للنخبة السياسية (عربيا ومغربيا) نظرا لارتباطها بالمفهوم الغربي ومقوماته، سواء في أبعاده التاريخية الماركسية أو الديموقراطية، والثاني: أكد على هذا الوجود؛ سواء بالاعتماد على التاريخ السياسي للمغرب أو من خلال ربط ظهورها بالوجود الاستعماري.
إن مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب ينطوي على صعوبات شتى؛ نظرا لتأثرها بمجمل التحولات التي شهدها المغرب من جهة؛ وبمواقف النظام السياسي من جهة ثانية؛ مما يتطلب استحضار مختلف المحطات السياسية الكبرى في تاريخ المغرب الحديث، وكذا السلطات المحورية التي يحظى بها الملك في النسق السياسي والدستوري المغربي، التي لا تترك للنخبة السياسية سوى هامشا ضيقا للتحرك.
وبالعودة إلى تاريخ المغرب نجد أن النخبة السياسية في البلاد كانت تتكون من عنصرين رئيسيين: المخزن والخاصة، وضمن هذا السياق نجد فئة العلماء والشرفاء وشيوخ الزوايا التي تستمد قوتها وشرعيتها من وظائفها الدينية؛ هذا بالإضافة إلى رؤساء الحرف والقياد..
قبل أن تتراجع هذه النخبة بفعل الاحتلال الفرنسي، بعدما عمل هذا الأخير على تهميش إدارة المخزن؛ بالشكل انعكس بالسلب أيضا على أدوار “الخاصة” من علماء وشرفاء وشيوخ وزوايا(1).
وفي ظل هذه الظروف؛ سيطغى الطابع الوطني على هذه النخبة في سياق مواجهة المستعمر، كما ستتعزز الحركة الوطنية بفئات سبق وأن تلقت تكوينا عصريا، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوعي ببعض القيم الليبرالية المرتبطة بتقديس الحريات واعتماد أساليب ديموقراطية في تدبير الخلافات السياسية.
ونتيجة لحصول المغرب على استقلاله سنة 1956؛ ستشهد النخبة تطورا ملحوظا؛ بعدما ارتفع عدد موظفي الدولة، وتعزيز هذه الفئة بنخب ثقافية واقتصادية جديدة.
وهو ما سمح ببروز صنفين من النخب، الأولى: تقليدية؛ حاولت الاستمرار والمحافظة على خصائصها رغم التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية المتلاحقة، والثانية: حديثة؛ استفادت من هذه التحولات وبرزت في العقود الأخيرة؛ مما تمخض عنه نوع من الصراع والتنافس بين مختلف الفاعلين السياسيين.
ثانيا- الطريق إلى النخبة السياسية
إن أهم السبل التي تؤدي إلى ولوج عالم النخبة السياسية في المغرب؛ تتلخص في التعيين (النخبة الحكومية والإدارية العليا)، والانتخاب (النخبة البرلمانية).
فبخصوص اقتحام الأولى؛ يظل الأمر بحسب البعض مرهونا ب”الأصل النبيل” والإمكانيات المالية” والحصول على “الرضا المخزني”، فيما يظل عامل الكفاءة ثانويا، فأن يكون المرء وزيرا في النسق المغربي فذلك يعني مرورا مفترضا عبر عدد من القنوات، ويعني كذلك حيازة أكيدة لعدد من الرساميل المفتوحة على الجاه والأصل النبيل(2)، كما أن المصاهرة تقود أيضا إلى صنع القرار(3).
أما اقتحام الثانية؛ وبالإضافة إلى السبل الانتخابية المشروعة؛ فهو يعتمد في كثير من الحالات على سبل متحايلة، وملتوية وغير شرعية؛ فما تعرفه العمليات الانتخابية من بعض مظاهر الفساد تفرض أشخاصا بعينهم وتحول دون تجدد هذه النخبة، كما أن تزكية العضو للترشيح للانتخابات التشريعية أو المحلية داخل مختلف الأحزاب؛ تخضع في العديد من الحالات لاعتبارات آنية وبعيدة عن الكفاءة والجدارة؛ بعدما تحول هاجس الأحزاب إلى الحصول على نسب مهمة من المقاعد داخل البرلمان، دون التفكير في تطوير أدائها ووظائفها.
وضمن هذا السياق، تعيش الأحزاب السياسية المغربية أزمة حقيقية على مستوى تدبير اختلافاتها الداخلية ووظائفها الاجتماعية والسياسية، فالديموقراطية الداخلية تصبح بدون جدوى كلما تم الاقتراب من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب؛ حيث يفرض أسلوب التزكية والتعيين نفسه بقوة؛ ويسود منطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية؛ بالشكل الذي يكرس “شخصنة” هذه الهيئات ويحول دون تجددها، وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى جدية ومصداقية مطالبة هذه الأحزاب للأنظمة السياسية بإعمال أسلوب الديموقراطية؛ وذلك في الوقت الذي تتنكر له هي نفسها في ممارساتها الداخلية.
وأمام هذه الاعتبارات “يصير الوصول إلى القمة محكوما بعدد من الولاءات والتضحيات والتحالفات والخصومات والضرب تحت الحزام أيضا، خصوصا وأن الوصول إلى أعلى الهرم الحزبي يفتح الطريق مباشرة نحو إمكانيات الاستوزار وصنع القرار”(4).
وكل هذه العوامل بالإضافة إلى ضعف التأطير والتعبئة والتنشئة الاجتماعية والسياسية الذي يترجمه المستوى الهزيل لإعلامها؛ والتعصب للمواقف – التي تترجمها ظاهرة الانشقاقات التي تعرفها هذه الأحزاب - وضعف وهشاشة ولاء أعضائها – التي يؤكدها أيضا الإقبال المكثف على الانتقال من حزب لآخر -؛ واعتماد إصلاحات داخلية “ترقيعية” مرحلية؛ يسهم في تكريس العزوف السياسي في أوساط المجتمع بكل فئاته.
ثالثا- بين التدجين والتهميش
تؤكد مجموعة من المحطات في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال؛ أن النظام السياسي - الذي يتميز عادة بقدرة هائلة على احتواء أو إقصاء المشاريع المضادة-؛ وفي سبيل تحقيق نوع من التوازن للمؤسسة الملكية داخل الحقل السياسي المغربي؛ اتجه إلى إضعاف هذه الأحزاب؛ تارة بتشكيل أحزاب “إدارية منافسة” أو جمعيات مدنية تنافس الأحزاب على مستوى تدبير الشؤون المحلية؛ أو بالعمل على خلق ظروف تؤدي إلى انشقاق هذه الأحزاب، وتارة أخرى باحتوائها وإدماجها؛ عبر تمكين أعضائها من مناصب هامة، أو عبر ممارسة التهميش والإقصاء؛ وبخاصة في مواجهة النخب الحزبية الذين يصعب تطويعها؛ بالشكل الذي يحول دون بلورة مشاريعها واقتراحاتها.
أما فيما يخص مؤسسة الحكومة، فقد لاحظ البعض أن “النظام عمد بدوره إلى المحافظة على ازدواجية هذه النخبة؛ إذ نجد نخبة من “المنتمين” في مقابل نخبة التقنوقراط، فقد تميل كفة المنتمين ضد التقنوقراط، وقد تميل كفة التقنوقراط ضد المنتمين، وذلك تبعا للظروف السياسية والاقتصادية، وسعي النظام إلى الحفاظ على هذه الازدواجية، هو بمثابة ضمانة للاستقرار السياسي ولإبعاد هذه المؤسسة عن جو الصراع السياسي”(5).
وكإجراء منه للتضييق على العمل الحكومي ومنافسة صلاحياته في مجالات تنفيذية مختلفة وزيادة على وجود حقائب وزارية “سيادية” تمارس خارج مسؤولية الأحزاب(الخارجية، الشؤون الإسلامية؛ الداخلية)، عمل النظام المغربي في العقود الأخيرة على إنشاء مجموعة من المؤسسات التي تعمل بتوجيهات ملكية وبإمكانيات مهمة؛ وتملك سلطات واسعة في اتخاذ القرارات الحاسمة في مختلف المجالات المندرجة ضمن صميم النشاط التنفيذي؛ الأمر الذي يتيح بروز نخب موازية ومنافسة للنخبة الحكومية(6).
وإذا كانت النخب الحزبية قد ظلت إلى حدود التسعينيات من القرن المنصرم تشتغل في جو سياسي قوامه الحذر وعدم الثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين وسيادة ثقافة المعارضة، وتزايد أدوار البيروقراطية ضمن المناصب العليا للدولة، فقد شهدت بعض التحول تبعا للمتغيرات السياسية التي شهدها المغرب في هذه الفترة - وصول المعارضة إلى الحكم - بالشكل الذي سمح بحدوث نوع من التجديد والتبدل في الأدوار.
وأمام هذه الأوضاع التي تعبر عن الجمود الذي أصبح يعتور عمل الأحزاب، تساءل البعض(7): هل يمكن لنخبة سياسية مصطنعة أن تراعي مصلحة الوطن والأمة، لما تكون قد أثبتت أنها فضلت – وعلى امتداد عقود من الزمن – مصالحها الأنانية واللاعادلة؟ ويضيف بأن خطابات اليمينيين فقيرة وبئيسة؛ تردد نفس “الألحان والأوزان”.. أما اليساريون الجذريون.. فما زالوا تائهين بين ماضيهم ومستقبلهم.. وأما النخبة السياسية الاشتراكية التي وصلت مرة أخرى إلى السلطة الحكومية.. فلم تتوصل إلى التخلي الصريح عن إيديولوجيتها الاشتراكية التي أصبحت تعوق ليبراليتها الفعلية..
وضمن هذا السياق أيضا؛ وجه عدد من الباحثين والمهتمين مجموعة من الانتقادات لتجربة “التناوب” وحمل النخب الديموقراطية مسؤولية كبرى، نظرا لتحول المشاركة في العمل الحكومي إلى هدف، الأمر الذي أفرغها- التجربة- من أهميتها.
وأمام هذه الأوضاع وعدم بروز معارضة قوية وفاعلة في البرلمان، انخرط مجموعة من الفاعلين (نخبة من المثقفين، الصحافة المستقلة، هيئات حقوقية، جمعيات مدنية..) في نقاش موسع حول ضرورة إعمال إصلاحات حقيقية في النسق السياسي المغربي كفيلة بإحداث تغييرات فعالة.
وإذا كان البعض يعتقد بأهمية وضرورة تأهيل المؤسسة الحزبية كمدخل للتحديث والديموقراطية وبخاصة مع صدور قانون الأحزاب، فإن الإصلاح الدستوري الكفيل بتوسيع وتوضيح مجال وهامش تحرك النخبة السياسية يعتبر بدوره أمرا مطلوبا.
الهوامش:
1- حسن قرنفل: المجتمع المدني والنخبة السياسية، المجتمع المدني والنخبة السياسية، إفريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الأولى 2000، ص 159
2- عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، دفاتر وجهة نظر (9) الطبعة الأولى 2006؛ ص 26
3- عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق؛ ص 31
4- عبد الرحيم العطري: صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق، ص 36
5- عزيزة حاجي: النخب السياسية في المغرب، محاولة للتحديد، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2002- 2001 (غير منشورة)، ص 295
6- نشير إلى أن علاقة النظام السياسي بالنخبة السياسية وتحكمه في مسارها؛ يختلف في أشكاله بحسب الظروف السياسية وطبيعة النخبة السياسية نفسها، فقد يتخذ تدخله في مسارها شكلا صارما وعنيفا مثلما تم خلال إعلان حالة الاستثناء بعد بروز صراع سياسي نتج عنه تقديم ملتمس الرقابة في 15 يونيو 1964؛ وقد يكون أقل عنفا؛ إما في شكل تحكيم سياسي بطلب من الأطراف المتصارعة..، أو قد يكون في شكل ضمانات ملكية أو عن طريق إقرار أسلوب “الحوار والتراضي”.. لمزيد من التفاصيل في هذا الشأن، راجع: عزيزة حاجي: النخب السياسية في المغرب؛ محاولة للتحديد، مرجع سابق، ص 295؛ ص 23
7- محمد الهلالي: اليساريون الثوريون بالمغرب، منشورات اختلاف، المغرب؛ الطبعة الأولى 2001 ص 9 و10

أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية

عرض/ محمد عيادي

كان كتاب "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية" في الأصل أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية أنجزها الطالب الأميركي جون واتربوري وأقام من أجلها في المغرب بين سنة 1965 و1967، لكنه صار بعد ذلك مرجعا مهما لفهم تاريخ الحياة السياسية المغربية وآليات تحركها وطبيعة الفاعلين فيها.

صاحب الكتاب الذي يشغل حاليا مدير الجامعة الأميركية ببيروت اضطر بمناسبة ترجمته للغة الفرنسية لتنقيحه وتعديله باختصار بعض الفقرات وحذف أخرى وإضافة معطيات جديدة تتعلق أساسا بالوضعية التي نتجت عن المحاولتين الانقلابيتين لسنتي 1971 و1972، معترفا في الوقت نفسه بأنه قدم العديد من آرائه الخاصة والاجتهادات التي قد تكون مجانبة للصواب ومغرقة في الذاتية، خاصة أنه يعتبر أن الموضوعية في العلوم الاجتماعية صعبة المنال.

-العنوان: أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية-المؤلف: جون واتربوري-المترجمون: عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي، عبد اللطيف الفلق-عدد الصفحات: 474-الناشر: مؤسسة الغني للنشر، الرباط-الطبعة: الأولى 2004
وقد صدر الكتاب أول مرة باللغة العربية سنة 1982 عن دار الوحدة ببيروت لكن طبعتها لم تر النور بالمغرب ولم يسمح لها بالتداول في السوق كما لم يسمح بطبع هذا الكتاب في نسخة مزيدة ومصححة ومنقحة إلا في شهر مايو من السنة الجارية.


معطيات تاريخية
رصد واتربوري في الفصل الأول البنيات التقليدية للمجتمع المغربي في فترة الستينيات وتأثيرها في طبيعة السلوك السياسي للنخبة يومها من حيث عدم القدرة على حسم التحالفات مع جهة واحدة واستمرار عقلية القبيلة لدى كثير من الفئات.

وسجل أن المغرب عرف بين سنة 1912 وهو تاريخ فرض نظام الحماية وسنة 1955 قبيل الاستقلال بسنة تغيرا كبيرا في الإطار السياسي، حيث تقوت وتوسعت بنيته الإدارية العصرية على حساب الزوايا والقبائل، وكذا في طبيعة اقتصاده بنشوء طبقة عاملة وتراجع الطبقة التجارية بمفهومها التقليدي.

وخلص واتربوري إلى أن تلك التغييرات تشكل أبرز آثار ما سماه الإرث الفرنسي، وقرر في الفصل الثاني أن المغرب لم يعرف قبل سنة 1912 تغييرا يذكر على مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي بخلاف بعض أقطار شمالي إفريقيا التي شهدت بعض عناصر التحديث على يد الإدارة العثمانية أو على يد الاحتلال الفرنسي والتغلل الاقتصادي الأوروبي فيها.

واعتبر واتربوري في كتابه أن فرنسا اقتحمت عالم السلطنة المغربي المغلق وأحدثت تحويلا في الأساليب الحكومية التقليدية، بحيث ثبتت خلال استعمارها للمغرب جهازا إداريا مركزيا، وطورت قطاعات مثل الفلاحة والصناعة والمعادن والتجارة.

وقامت بالمقابل بتقليص مفعول العناصر الأساسية التي كان يقوم عليها النظام التقليدي -القبائل والمخزن ورجال الزوايا والطرق- بحيث لم تعد تلعب إلا دورا ثانويا بعد توحيد وإخضاع الكل للمركز.

"فرنسا اقتحمت عالم السلطنة المغربي المغلق وأحدثت تحويلا في الأساليب الحكومية التقليدية بحيث ثبتت خلال استعمارها للمغرب جهازا إداريا مركزيا"
وتطرق خلال ذلك للحركة الوطنية وأصولها باعتبارها قوة جديدة أتعبت سلطات الحماية بانخراطها في النضال السياسي المنظم ابتدءا من سنة 1945، واصفا إياها بكونها قيادة برجوازية متنورة ومثقفة بأرضية سلفية دينية.

غيرأن الحركة التي صعب على الاستعمار الفرنسي احتواؤها، فشلت في تكوين نخبة سياسية متماسكة قادرة على ممارسة السلطة والمساهمة فيها بعد الاستقلال بحيث تميزت نقاشاتها حسب واتربوري بالبيزنطية، ليجد المغرب نفسه بين إرثين إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياتها.

وضعية ربطت الحياة السياسية المغربية وتاريخها بعد الاستقلال بمدى القدرة على التوفيق بين الإرثين أي بمدى القدرة على التزام الشخصية المغربية بمقاييس وقواعد المؤسسات العصرية والسوق الاقتصادية والآليات الجديدة في التنظيم من قبيل الأحزاب السياسية والنقابات وغيرها، دون المس بخصوصيات ما سماه واتربوري الشخصية المغربية.


محاولة في التأويل.. النظرية الانقسامية
تبنى جون واتربوري في تحليله للنخبة والحياة السياسية المغربية وفي رصد سيرورتها "النظرية الانقسامية" التي تستعمل أساسا في الحقل الأنثروبولوجي (علم الإنسان)، وذلك للوصول إلى نتائج مسبقة اعترى الكثير منها الخطأ وعدم الحياد.

فقد انطلق في الفصل الثالث من كون التوتر الدائم في مستويات مختلفة يعد من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون بحيث يبدو وكأنه موشك على الانفجار لكن طبيعته الأساسية هي الجمود.

ولكي تسعفه النظرية المذكورة اعتبر أن المغرب ومجتمعه في العموم منحدر من القبيلة وأن قيم وأنماط السلوك السياسي السائدة فيه ذات طابع قبلي شبيه بدول الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي وظف فيها الباحثون الغربيون الذين استند إليهم واتربوري لدراسة وإعمال النظرية الانقسامية التي وضع دوركهايم أسسها في بداية القرن في شكلها العام في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي" بغية البحث عن مفاتيح جديدة في البحث العلمي ورصد أنماط الحياة في المجتمع القبلي ومعرفة نوعية العلاقات السائدة بين أفراده ماذا يوحدهم وماذا يفرقهم؟

"الحركة الوطنية قوة جديدة أتعبت سلطات الحماية بانخراطها في النضال السياسي المنظم.. وهي قيادة برجوازية متنورة ومثقفة بأرضية سلفية دينية"
ويوضح دوركهايم الشروط الانقسامية التي ترتكز على التشابه بقوله "لكي يكون التنظيم الانقسامي ممكنا لابد من أن تتشابه الأقسام ودون هذا التشابه لا يمكن أن تتحدد وأن تتباين، ودون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض وتنتهي للتلاشي".

فاعتمادا على المنهج الانقسامي حاول واتربوري انطلاقا من الفصل الثالث من الكتاب دراسة وتحليل سلوك النخبة السياسية المغربية في مرحلة الستينيات بالأساس، دراسة اعتمدت على تركيب نظري ضخم لسيرورة التحولات والوقائع الاجتماعية منذ استقلال المغرب إلى غاية منتصف الستينيات.

وقد ذكر الفئات الأساسية المشكلة للمجتمع المغربي يومئذ والتي تكمن في مشاعر الانتماء للدين والزوايا والقبيلة والأسرة والحي من قبيل عائلتي الفاسي والوزاني ببنية مدينية واحدة، والانقسام تبعا لأهداف مادية عقلانية بين تجار سوس وتجار فاس كنموذج, والانقسام تبعا للبنيات التنظيمية الحديثة من قبيل الأحزاب والنقابات والجماعات الاقتصادية وغيرها.

وهي الفئات التي سماها بالفصائل الانقسامية التي تحدد الصراعات داخل المجتمع المغربي.

والفصول المتبقية من كتاب "أمير المؤمنين الملكية النخبة السياسية المغربية" ركز فيها على جدلية التوتر والجمود باعتبارهما طرفي نقيض تعايشا في فترة ما بين سنة 1956 و 1965 التي اشتغل عليها المؤلف ونعتها بعض الباحثين بـ"فترة خميرة المغرب الحديث" لكونها كانت حاسمة ومجالا لكل الرهانات والصراعات بين الفاعلين السياسيين.

وتجلى التوتر في الدعوات المتتالية للإصلاح وانتظار المواطنين ومختلف الفئات التي نعتناها سلفا بالحديثة لمواجهة الجمود السياسي لكنه توتر لا ينتج تحولات سياسية.


واقع النخبة السياسية
وإذا كان المؤلف اعتمد التعريف الإجرائي للنخبة السياسية بكونها الفئة المؤثرة في اتخاذ القرار (الجمعيات, القبائل, العلماء, الأثرياء, المثقفون, الشرفاء, المعارضة...) ملقيا الضوء على الهياكل الكبرى للنخبة في شخص البرجوازية الحضرية وتبني إستراتيجية المصاهرة السياسية لدى العائلات الفاسية الأرستقراطية الفلاحية، فإنه نبه إلى أن التأثير الثقافي المحدود للاحتلال الفرنسي على سكان المغرب واقتصاره على قطاعات محددة من قبيل المجال العسكري والإداري وبعض الفئات في المدن جعل ما سماه واتربوري بالسلطة الإدارية والسلطة العسكرية تشكل النخبة السياسية المغربية يومها.

وقد فصل القول في العوامل الاجتماعية والإقليمية المؤثرة في نشوء النخبة السياسية التي كانت تمثل أقلية ذات مستوى تعليمي مرتفع وسط أغلبية أمية بفعل السياسة التعليمية النخبوية التي نهجها الاستعمار الفرنسي بحيث لم يتجاوز عدد المغاربة الذين اجتازوا امتحان الباكلوريا ما بين سنة1912 و1954 530 تلميذا.

هذا فضلا عن كون جميع أفراد الطبقة الحاكمة يومئذ كانت تعرف بعضها البعض معرفة شخصية ودية كانت أو عائلية لم تمنع من الاختلافات في وجهات النظر برأي واتربوري لكنها كانت كافية للتخفيف من حدة المواقف بطريقة فعالة.

"التوتر تجلى في الدعوات المتتالية للإصلاح وانتظار المواطنين ومختلف الفئات التي نعتناها سلفا بالحديثة لمواجهة الجمود السياسي لكنه توتر لا ينتج تحولات سياسية"
غير أن الوضع المذكور لم يستمر طويلا بحيث لم تصمد العلاقات الشخصية داخل النخبة المغربية التي نسجتها خلفية اجتماعية مشتركة أمام زحف جيل من الشباب الذين سارعوا بدورهم لاقتحام الطبقة المسيرة بأصل اجتماعي وتكوين مختلف، زحف ساهمت فيه جهود مغرب ما بعد الاستقلال في ميدان التعليم.

واسترسل ووتربوري في رصد الرهانات المزدوجة المتمثلة في هيمنة الحكم واحتواء النخبة السياسية, وهيمنة هذه النخبة على المجتمع، وتطرق للسياقات السياسية للحياة الحزبية المغربية في العقد الأول من الاستقلال، حيث تابع ما سماه "دينامية السيرورة الانقسامية للنخبة" من خلال تفسير الانشقاقات الحزبية التي شهدتها الفترة التي شملها كتابه انطلاقا من انشقاق حزب الاستقلال وميلاد اليسار، وانشقاق حزب الحركة الشعبية، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدسورية، متتبعا تفاصيلها بشكل دقيق جعل من الكتاب مرجعا مهما في فهم تاريخ الأحزاب السياسية المغربية.

وخصص المؤلف الفصول الأربعة الأخيرة من كتابه لأدوات احتواء الملكية للنخبة السياسية والتأثير عليها في أفق خدمة إستراتيجيتها وعدها في ست أدوات منها ما سماه البيروقراطية حيث إن للملك صلاحية توزيع المنافع السياسية والمادية للسلطة مما يسمح له بمراقبة فعلية للإدارة، وتسريع دوران التعيينات والتغييرات في المناصب، مع استقطاب الطاقات والكفاءات من داخل الأحزاب السياسية.

ومن أدوات التحكم كذلك وزارة الداخلية بما يدخل تحت إمرتها من ولاة وعمال وقادة وأمن بكل مستوياته، ودرك وقوات مساعدة و.., والجيش, والديوان الذي يشكل حكومة الظل التي تراقب بدقة أنشطة الحكومة الرسمية, والعدالة لكون دستور 1962 احتفظ للملك بحق تعيين كل القضاة مع تأكيده الفصل التام بين السلطات التشريعية والتنفيذية، مع العلم بأن التعيينات تتم عن طريق اقتراح المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه الملك.

وأخيرا أداة الدعاية والصحافة بحكم الرقابة الكاملة للدولة على وسائل الإعلام والاتصال بالرأي العام من إذاعة وتلفزيون فضلا عن بعض المؤسسات الصحفية المؤيدة للخط والتوجه الرسمي.

في الفصل 16 اعتبر واتربوري أن بقاء نظام ما ونخبته رهين بقدرة هذه الأخيرة على بلورة ثقافة سياسية وطنية تستوعب القيم الأساسية، وفي الوقت نفسه تحقيق التنمية الاقتصادية، بحيث تصبح صيرورة الاستيعاب والتنمية الاقتصادية بالنسبة للنظام مرتبطة بمدى قدرته على احتواء الأطر الوطنية المتعلمة وإرضاء حاجياتها المادية وتعطشها للنفوذ.

"الركود الاقتصادي لا يهدد الاستقرار ولا يكتسي خطورة إلا إذا كانت هناك مجموعة من الطامحين غير الراضين تستعمل الوضعية الاقتصادية سلاحا سياسيا للالتحاق بالطبقة الحاكمة وطرد النخب الحالية"
وسجل واتربوري في الوقت نفسه أن الركود الاقتصادي لا يهدد الاستقرار ولا يكتسي خطورة إلا إذا "كانت هناك مجموعة من الطامحين غير الراضين الذين يستعملون الوضعية الاقتصادية سلاحا سياسيا للالتحاق بالطبقة الحاكمة، وطرد النخب الحالية"، مع العلم بأنها لا تملك حلولا لتجاوز ذلك الركود وقد تسهم في استمراره.

وهذا الأمر جعل مشكل طاقة استيعاب النخبة ظاهرة جديدة في المغرب في مرحلة الستينيات التي شملها كتاب "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية في المغرب"، وأراح النخبة الحاكمة التي تكونت في ظل نظام الحماية من منافسة حقيقية.

ولئن كان جون واتربوري سقط في كثير من الأحيان في التعميم، وتبنى آراء مغرقة في الذاتية، فإنه تمكن من تسليط الضوء على النخبة الحاكمة في المغرب ومكوناتها، وانتقادها، متتبعا أدق التفاصيل والأحداث، ومن ثم صياغة أهم عمل أكاديمي تركيبي حول الواقع السياسي المغربي في عهد الحماية وما بعد الاستقلال، يصعب الاستغناء عنه بالنسبة للباحثين والمشتغلين بحقل علم السياسة.

وهذا الكتاب يدفع القارئ اليوم للوقوف على مدى التغير الحاصل بعد 34 سنة من نشره لأول مرة باللغة الإنجليزية في طريقة عمل النخبة السياسية المغربية وطبيعة علاقتها مع المؤسسة الملكية.
المصدر:
الجزيرة

خلال القرن الماضي انتهت فترة الحكم الاستعماري ، وظهرت دول مستقلة حديثا في القارات الثلاث آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، ورغم الاختلافات بين هذه الدول فانها يمكن ان تسمى متطورة او نامية لما تشترك فيه من صفات . فجميع هذه الدول تمر في مرحلة التغير الاجتماعي ، وبلغة النماذج فانها تمر بمرحلة انتقالية من النوع التقليدي الى النوع الحديث . ايديولوجية التطوير : تتشابه الدول النامية في الاهداف التي تتوخاها من التغيير ، ولاهمية الجانب الايديولوجي فأن اهم عناصرها : • ان الهدف المزدوج للتطوير هو البناء القومي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذه الاهداف مشتركة بين القادة السياسيين في هذه الدول بالرغم من الاختلاف في الاتجاهات والستراتيجيات السياسية . ويعرف البناء القومي بأنه " العملية المخططة لصياغة وقولبة مجتمع سياسي متكامل ضمن حدود جغرافية معينة حيث تكون فيه الدولة الامة ، المؤسسة السياسية الرئيسة . ومما يثير التناقض ان نجد مفهوم الدولة الامة قد اكتسب قوة تأثير في باقي انحاء العالم في نفس الوقت الذي اصبح فيه مفهوم الامة كوحدة سياسية وكعقيدة محل استفهام في الغرب وهو المكان الذي انبثقت منه هذه المفاهيم . ان الانجاز الحقيقي لمفهوم الامة ليس مهمة سهلة في معظم الدول حديثة الاستقلال ويستلزم النجاح في مواجهة تحدي التطور السياسي الذي يتطلب خلق نظام من المؤسسات السياسية القادرة على تنظيم السكان في الدولة وتعبئة الموارد المادية والبشرية بهدف تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والقدرة على معالجة مشاكل التغير السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون التخلي عن دورها في الرقابة او في تعبئة الموارد . وبينما كانت عملية التطوير في اوربا عملية اصيلة وبطيئة ، وحصلت على يد ابناء المجتمع فكانت اصيلة ومن المجتمع ، اذ اعطت مختلف فئات المجتمع مزيدا من الوقت للتكيف ، مما قلص صدمة التحول المفاجيء . اما الدول النامية فهي على العكس من ذلك ، تواجه مشكلة التطوير من الخارج الأمر الذي يعني ضرورة التحلل المفاجيء من الماضي والاعتماد على الاجانب او بعض المواطنين او من كليهما . ان قيام امة حديثة يحتاج لمشاركة المواطنين قاطبة رجالا ونساء في الامور العامة وفي ممارسة حقوقهم وتحمل مسؤولياتهم كأعضاء في المجتمع الاكبر الذي يتجاوز مناطقهم الجغرافية المحدودة وعلاقاتهم العائلية. اما هدف تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في ايديولوجية التطوير فهو على نفس المستوى من الصعوبة بالرغم من انه اكثر قبولا للقياس والظهور ، وتعرف هذه العملية بانها " عملية التحسين المستمرة الشاملة في النواحي المادية وفي مجال الرفاه الاجتماعي " وتعبر الرغبة في الانتصار على الفقر وفي توزيع ثمرات التصنيع في المجتمع حوافز قوية لدى المواطنين في الحصول على ما تتمتع به الدول المتقدمة . ولاشك ان ايديولوجية التطوير تحدد طموحات العمل السياسي والاداري رغم انها لاتحدد الاداة السياسية والادارية اللازمة لتحقيق ذلك بدقة .. ان ثمة رغبة قوية لايجاد حكومة قوية ورئيس قوي ومركزية على درجة عالية ، وذلك للافتراض السائد انه بدون وجود الحكومة القوية ، والقيادة العامة القوية فان مهمة تحقيق الوحدة الوطنية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية تصبح عملية صعبة .. والنهج الذي يسود في هذه الدول يفضل تقليد وتكييف خبرات الدول المتقدمة بغض النظر عن الايديولوجيات السياسية المتبعة . سياسات التطوير : ان معرفة الاساليب السياسية في الدول المتطورة بدائية مبعثرة ، الا انه بالرغم من ذلك ، يمكن تحديد بعض المظاهر الرئيسة للسياسة التي تحكم عملية التطوير ، ومن هذه المظاهر : • وجود ايديولوجية تطوير تعكس الاهداف السياسية الاساسية .• الاعتماد بشكل كبير على القطاع السياسي لتحقيق الاهداف المرجوة في المجتمع .• عدم الاستقرار السياسي .• قيادة النخبة ووجود هوة سياسية بين الحاكمين والمحكومين .• عدم وجود توازن في نمو المؤسسات السياسية وقوة البيروقراطية الزائدة . ان طبيعة الاهداف التطويرية والحاحها يحتم على الدولة ان تكون الاداة الرئيسة لتحقيقها ، اذ لايتوفر الوقت والوسائل للمنهج التدرجي في التطوير ، ولا الاعتماد على القطاع الخاص للقيام بهذا الدور كما كان الحال في تجربة الدول الغربية . ان العنصر السياسي يقوم آليا بدور رئيسي في مجتمعات الدول المتطورة . ومهما يكن الأمر فانه ينظر للدولة كمصدر الامل الرئيس لتوجيه المجتمع نحو التحديث . أما المظهر الثاني فهو عدم الاستقرار السياسي في هذه الدول ، وشيوع ظاهرة الانقلابات العسكرية ومحاولات القيام بها . لذا فان مشكلة الحفاظ على الاستقرار ما تزال المشكلة الرئيسة التي تواجهها الدول المتطورة .وتتركز القيادة السياسية في الدول النامية في يد فئة محدودة من السكان معزولة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا عن باقي فئات المواطنين . ويحدد ميهدن اربعة نماذج للقيادة السياسية وهي الاستعمارية، والتقليدية ، والوطنية ، والاقتصادية . وعلى الرغم من تعارض الخلفيات والاتجاهات الثقافية للقادة الجدد والتقليديين الا انهم يتفقون في التزاماتهم بأهداف التطوير التي تتمثل في البناء القومي والتصنيع . وتدرك الفئة التقليدية قيمة التقنية الغربية التي يعرفها اعضاء الفئة العصرية وامكانية الاستفادة منها للحفاظ على سلطتها ، وضرورة ان يغير اعضاءها من مناهج سلوكهم حتى لايطاح بهم على يد الجماهير الواعية المثقفة . ومهما كانت طبيعة التركيبة في القيادة في دولة معينة ، فمن المؤكد ان القيادة السياسية ستكون بعيدة عن الاتصال بالجماهير ، فأغلبية المواطنين الفلاحين في معظم هذه الدول لم يتأثروا ولم يغيروا طرق عملهم التقليدية في العمل الا قليلا فهم لايزالون يعتقدون ان افضل وسيلة للتعامل مع الحكومة هو محاولة تجنبها وعدم الوفاء لها ، ولذلك فهم لايهتمون بالمشاركة السياسية ، فالسلبية وعدم تحمل المسؤولية ظواهر شائعة ، وكثيرا ما تقابل الجهود الرامية للتحديث والنمو بالمعارضة والمقاومة ، مما يعقد مهمة القيادة ، بأستثناء تلك الدول التي ظهر فيها طبقة وسطى مثقفة ، لذلك نجد ان اسلوب الحزب الواحد هو مظهر من مظاهر الحكم في هذه الدول ،و له ما يبرره بصفته الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه الفجوة بين الحكام والجماهير . اما الميزة الاخرى فهي الاختلال السياسي الذي كان نتيجة وجود النماذج المختلفة التقليدية ، والاستعمار ، الذي ادى الى وجود النماذج المختلفة التقليدية ، والاستعمار ، الذي ادى الى وجود انظمة سياسية منحرفة بالمقارنة مع الوضع في الدول الاكثر تقدما وبخاصة تلك التي تتواجد فيها مؤسسات ديمقراطية تمثيلية . ان هذه الدول تفتقر تماما الى وسائل مناسبة للتعبير كوجود ناخبين على مستوى من الوعي او جماعات مهنية منظمة او احزاب سياسية ، وهيئات تشريعية ممثلة للشعب ، واذا وجدت هذه الوسائل فيها فانها تكون ضعيفة وبدائية ، وعلى النقيض من ذلك فالاجهزة التقليدية تتمتع بسلطات وقيادة قوية . الابتعاد عن نظام تعدد الاحزاب : ان طابع وجود حزب سياسي وحيد هو العنصر السياسي الذي يميز الانظمة السياسية في الدول المتطورة النامية . ان اسباب هذه الظاهرة واضحة تماما اذ ان النظام الاستعمار احتوى النواة لنظام الحزب الواحد. فالبيروقراطية التي سيطر عليها الحزب الواحد تزعم انها ممثلة لقطاعات ومصالح المجتمع ، وهو نفس الادعاء الذي ادعته البيروقراطية الحاكمة . وبالاضافة الى الرغبة الطبيعية لدى الذين قادوا حركات الاستقلال في ان يروا انفسهم ( ناطقين بأسم الامة ، ومن ثم باسم الدولة بعد تسلمهم مقاليد الحكم وان افكارهم تعكس بالضرورة رغبات الجميع ، فهم لايرون في الذين يخالفونهم الرأي معارضين سياسيين بل اعداء للدولة وللشعب ) .. وتبرير وجود الحزب الواحد هو الحفاظ على السلطة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وللحفاظ على الوحدة الوطنية بعد التخلص من السيطرة الخارجية ، أي عقيدة احتكار السلطة . و تعتبر ظاهرة التدخل العسكري في الدول النامية ظاهرة بارزة الى حد جعلها موضع كثير من التحليل والتأمل . وتدل الاحصاءات على وجود نزعة متزايدة نحو الانظمة العسكرية ، وتضيف الامثلة الحديثة على تدخل الجيش وتوليه مقاليد الحكم اهمية ِ، فوفقا لما يراه ويلش " ان ما يزيد على ثلث عدد الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة هي حكومات فرضها العسكريون . " الملامح الادارية المشتركة : يعترف معظم المختصين بمشاكل التنمية بأهمية الادارة ، اذ يؤكد الكثيرون على العلاقة المتينة بين وجود جهاز بيروقراطي متطور وبين وجود قيادة عصرية كمستلزمات للتقدم ، وعلى حقيقة تجاهل دور الادارة كعنصر مهم في التنمية ، فالاجهزة الادارية في هذه الدول تكون غير كفوءة وتعاني من العديد من المشاكل ، كما يتضح من خصائصها ، التي تتلخص كالاتي : • الادارة العامة ادارة مقلدة اكثر منها اصيلة . اذ ان معظم الدول حتى تلك التي لم تخضع للاستعمار ، تحاول ان تنقل صورة البيروقراطية الغربية . وتميزت الادارة في هذه الدول بأنها ادارة تقتصر على فئة محدودة نخبوية وذات نظرة ابوية . • افتقار البيروقراطيات الى الكوادر الماهرة القادرة على تخطيط وتنفيذ البرامج التنموية ، ان اجهزة الخدمات العامة تعج بالموظفين الزائدين في المستويات الدنيا مثل الخدم والمراسلين والكتبة الصغار وغيرهم .. ولكن النقص يتمثل في عدم وجود الاداريين المدربين ذوي القدرات الادارية والمهارات التنموية ، والكفاءات الفنية ، ومع ان هذا يعكس حقيقة عدم كفاية النظام التربوي الا انه لايعني قلة عدد حاملي الشهادات الجامعية ، ففي بعض الدول مثل مصر والهند نجد ان هناك اعدادا كبيرة من المتعلمين العاطلين عن العمل وهم درسوا تخصصات غير مطلوبة او انهم تخرجوا من مؤسسات غير معترف بها . • وجود اتجاهات غير انتاجية في الاجهزة البيروقراطية حيث يوجه نشاط البيروقراطية لخدمة اهداف اخرى غير الاهداف المرجوة منها . كما يشير رجز لذلك بانها رغبة البيروقراطيين لتفضيل المصالح الفردية على حساب المصلحة العامة . ان انتشار هذه الممارسات ما هو الا استمرار لقيم متأصلة من الماضي ، لم تتغير رغم تبني الهياكل الاجتماعية الحديثة ، فالمركز الاجتماعي في هذه المجتمعات يقوم على معايير شخصية ، وليس على معايير الانجاز . وان عمليات التوظيف تتأثر بالاعتبارات الشخصية رغم الادعاء بوجود نظام الكفاءة . • التناقض الكبير بين الوضع الرسمي والواقع او ما يسمى بالازدواجية في المعايير ، ويسمي رجز هذه الظاهرة بالشكلية ، وهذه الظاهرة نتيجة طبيعية للمظاهر التي ذكرناها وتعكس الاصرار على الظهور بمظهر ما يجب ان تكون عليه الامور خلافا لما هو عليه الواقع .• تتمتع البيروقراطية في هذه الدول بدرجة استقلال كبيرة بسبب التقاء قوى كثيرة فيها . فقد كان الاستعمار يحكم هذه الدول من خلال البيروقراطية التي تأتمر بالسياسة العامة من مصادر بعيدة والظاهر ان هذا النهج استمر حتى بعد تغير الوضع ، فالبيروقراطية في الدول النامية تحتكر الخبرة الفنية ونتفع بمزايا الهيبة في مجتمع يهدف للتصنيع والتطوير الاقتصادي ، اما البيروقراطية العسكرية فهي التي تمتلك اسلحة القهر والاجبار . الخصائص المشتركة للبيروقراطية في الدول النامية :
1. مشكلة الانحراف الاداري : وهو احد اخطر جوانب الظاهرة البيروقراطية ويتمثل في شيوع السلوك الانتهزي الاناني ، وشيوع الوساطة والمحاباة . ولاشك ان الانحراف الاداري هو انتهاك لكل الاخلاقيات والقيم التي هي بمثابة الاساس الذي يجب ان يعلو فوق أي نمط من انماط السلوك الاداري الصحيح . كما ان الامر يرتبط في جانب اساسي منه بعدد من العوامل والاعتبارات التي تدفع الى ظهوره ، ومن اهمها : • تصميم هياكل بيروقراطية بطريقة لاتستند الى الاسس والمقومات التنظيمية السليمة . • تخلف القيادات الادارية وضعف تأثيرها على مجموعات التابعين . • سوء التربية الاجتماعية والقومية وتخلف المناخ الاجتماعي العام .• ضعف المستوى المادي للوظيفة الحكومية .• عدم كفاية نظم الحوافز المادية والمعنوية المعمول بها . • سيطرة الشعور بالقلق النفسي وعدم الأمان .
2. البيروقراطية ومشكلة الهبوط في مستوى الكفاءة الادارية : وهذه المشكلة تمثل حجر الزاوية في معظم حملات النقد الموجهة ضد البيروقراطية ، لان الدول النامية تعاني عموما من انخفاض مستوى الكفاءة الادارية ، بسبب : • كثرة القيود الاجرائية .• التمسك بحرفية القوانين واللوائح .• عدم التقدير الكافي لقيمة الوقت كعنصر حيوي من عناصر العملية الادارية . • شيوع المناخ الاحباطي .
3 - مشكلة الاستبداد بالسلطة .
4 - صعوبة التأقلم مع البيئة .
5 - البيروقراطية ومشكلة التضخم .6
– امتداد التضخم الى البناء الحكومي .
7 - تعدد مستويات التنظيم .
8 - الاسراف وارتفاع التكلفة الاقتصادية للخدمة او الانتاج .
9 - الفساد الاداري .
10- اضفاء طابع السرية الشديد والمفتعل
.11- الجنوح نحو النمطية .
12 - عدم الاعتماد على الاساليب العلمية
.13 - الاعتماد على غير الكفاءات في الادارة العليا .
14 – قضية الديمقراطية وتحديات البيروقراطية .
15 - عدم التنسيق بين المؤسسات والادارات المعنية .
المصادر : ــــــ1 - فيرل هيدي ، ترجمة واعداد الدكتور محمد قاسم القريوتي " الادارة المقارنة الحديثة " دار المستقبل ، عمان ، 1989 2 – الدكتور محمد فتحي محمود " الادارة العامة المقارنة " الرياض 1997 3 - الدكتور ابراهيم درويش " الادارة العامة ، نحو اتجاه مقارن " القاهرة 1974