الخميس، 26 مارس 2009

المجتمع المدني

النخب السياسية POLITICAL ELITES



النخبة السياسية

من أهم موضوعات علم الاجتماع السياسي نظرية النخبة السياسية، التي يذهب أنصارها إلى أنها حقيقة موضوعية، لأن الشواهد التاريخية وواقع المجتمعات السابقة والمعاصرة، تتميز بوجود أقلية حاكمة، محتكرة لأهم المناصب السياسية والاجتماعية، وبيدها مقاليد الأمور، وأغلبية محكومة منقادة وليس لها صلة بصنع القرار السياسي بشكل عام.
ومع أن عمر تبلور هذه النظرية قد زاد على نصف القرن، إلا أن اللبس والغموض يصاحبها من جوانب كثيرة ومهمة، منها علاقتها مع النظم الشمولية والديمقراطية، آليات اختيار وعمل هذه النخبة، العلاقة ما بين النخبة السياسية والاجتماعية وهكذا.
لقد أسهم كارل ماركس وماكس فيبر في تأسيس علم الاجتماع السياسي من خلال دراستهما لتطور النظريات السياسية وصلة ذلك بالمجتمع إلا أن تطور هذه النظرية قد وجه سهام النقد للنظرية الاشتراكية فضلا عن النظريات الديمقراطية، لأن نظرية النخبة تشكك بالصحة العلمية لكلا النظريتين، وتبني تحليلها للنظام السياسي انطلاقا من حقيقة القلة الحاكمة والأغلبية المحكومة.
ولكن ما هي النخبة؟ وهل اتفق منظورها على صياغة موحدة لتعريفها؟ ربما كانت دراسة بوتومور حول النخبة والمجتمع من أهم الدراسات التي حاولت أن تفجر كثيرا من الأسئلة حول نظرية النخبة والاجتهادات النظرية فيها تاركة الإجابة على كثير من الإشكالات للزمن الذي سيعتمد دراسة هذه النظرية وسيجد الإجابات على ما قصرت الدراسات المتواجدة عن الإجابة عنه.
ومن رواد نظرية النخبة العالم باربتو، وهو يرى أن النخبة هم اؤلئك الذين يتفوقون في مجالات عملهم في (مباراة الحياة) وحين يجد أن هذا التعريف مستوف يستدرك الأمر وينتقل إلى المجال الأضيق في تعريف النخبة، فيقوم بربط مفهوم النخبة الاجتماعية بقدرة هؤلاء المتفوقين على ممارسة وظائف سياسية أو اجتماعية تخلق منهم طبقة حاكمة ليست بحاجة إلى دعم وتأييد جماهيري لأنها تقتصر في حكمها على مواصفات ذاتية تتمتع بها، وهذا ما يميزها ويؤهلها لاحتكار المناصب.
ويأتي الرائد الثاني موسكا الذي يضيف على تعريف باربتو قائلا إن من أهم أسباب تميز الطبقة الحاكمة عن الطبقة المحكومة- وهو هنا لا يأخذ بالمدلول الماركسي لمعنى الطبقة- هو قوة تنظيم الأولى، ووجود دافع وهدف معين تسعى إليه في مواجهة أغلبية غير منظمة، إلا أنه يؤكد على أهمية اعتماد طبقة الحاكمين على موافقة ورضى الجماهير، وهذا الطرح يقرب ما بين نظرية النخبة السياسية والديمقراطية عكس ما انتهى إليه باربتو.
لقد انطلق الرائد الثالث ميشيال روبرتو في تعريف للنخبة السياسية من خلال واقع عمل الأحزاب السياسية ليكتشف بأن هناك عوامل متباينة تحدد طبيعة عمل التنظيمات بدءا من الحزب إلى الدولة، فهو يرى أن النشأة الديمقراطية للأحزاب تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات خاضعة إلى حكم قلة من الأفراد، لأن التنظيم يحتاج إلى أقلية منظمة، وهذه الأقلية تستحوذ على السلطة من خلال موقعها في مركز اتخاذ القرار، وهو ما يسمى بالأقلية الذي لم يلتفت إليه ماركس في دراساته السياسية.
أما الرائد الرابع رايت ملز ومن خلال دراسته لمجتمع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ربط بين النخبة وقدرتها على التحكم بموقع اتخاذ القرار، فهي نتاج للبناء المؤسساتي للدولة، وقد وجد أن مؤسسات ثلاث هي المتحكمة في أمريكا وهي العسكرية والسياسية والشركات الكبرى، وهذا معناه أن النخبة تتشكل من أولئك الذين يشغلون مواقع قيادية في هذه المؤسسات.
ويؤكد بوتومور في كتابه النخبة والمجتمع أن ملز متأثر في تعريفه بضغوط الصراع العالمي التي شغلت أمريكا في عصره، وتصنيفه إنما هو بالتالي إشارة إلى تتابع الإحداث.
إن هذا التباين والاختلاف في تعريف النخبة جعل بوتومور غير قادر على حسم الموضوع، أو أن يعطي تعريفا متميزا، لذلك فهو يحاول إعطاء توليفة من تعريفات من سبقوه وبشكل حذر، حيث يميز بين (النخبة) بشكل عام، والأقلية التي تحكم المجتمع، فيقول (إذا استعملنا الاصطلاح العام (النخبة) لتلك الفئات ذات الوظائف، فإننا عندها نحتاج مصطلحا نطلقه على تلك الأقلية التي تحكم المجتمع، وهي ليست فئة وظائفية بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة، ولكنها في أية حالة من الأحوال ذات أهمية اجتماعية عظيمة مما يجعلها جديرة بأن يكون لها اسم خاص مميز، سأستعمل هنا مصطلح موسكا (الطبقة السياسية) للإشارة إلى كل تلك الفئات التي تمارس السلطة أو التأثير السياسي والتي تمارس السلطة السياسية أو التأثير السياسي والتي تدخل في صراعات مباشرة في سبيل القيادة السياسية، وسأميز فئة صغرى ضمن الطبقة السياسية، وهي النخبة السياسية الشاملة للأفراد الذين يمارسون السلطة السياسية في مجتمع ما في وقت من الأوقات).
وهذا يعني أن بوتومور يرسم هرما نخبويا داخل المجتمع في قمته الممارسون للسلطة السياسية أو من يسميهم بالنخبة السياسية، وفي قاعدته النخبة المجتمع، أي كل الفئات ذات الوظائف المتميزة، وفي وسطه الأقلية المنبثقة من القاعدة أو النخبة الاجتماعية والتي تشترك بالحياة السياسية، ممارسة واهتماما، وتدخل في صراع مباشر للوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، والتي يسميها بالطبقة السياسية، وهذا يعني بشكل أو بأخر أن النخبة السياسية التي تتربع على قمة الهرم تتميز بأنها غير ثابتة في موضوعها، فيمكن أن ينزلوا ليصبحوا من الطبقة السياسية، وحتى من عناصر عاديين في النخبة الاجتماعية.
وهو بهذا التعريف لا يميز بين النخبة السياسية وغيرها بالأفضلية والتفوق، حيث يعتبرهم من في يدهم مقاليد السلطة السياسية، إلا أنه يميز بشكل أو بآخر عقوبة النخبة السياسية بالمفهوم السابق ومن يعتبرهم (طبقة سياسية) فيقصر عقوبة النخبة السياسية بالممارسين الفعليين للسلطة أما الناشطون سياسيا من أحزاب معارضة ونقابات وجمعيات ومثقفون فهم يدمجون في إطار الطبقة السياسية.
لقد ساهمت وبشكل مباشر كل هذه الدراسات النظرية في تقارب التعريفات الأخرى مع ما جاء به بوتومور فعرفت القواميس الإنجليزية كلمة (النخبة Elite) بأنها أقوى مجموعة من الناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة، وذات اعتبار، أما القواميس الفرنسية فعرفت النخبة أنها تضم أشخاصا وجماعات الذين بواسطة القوة التي يمتلكونها أو بواسطة التأثير الذي يمارسونه، يشاركون في صياغة تاريخ جماعة ما، سواء كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات أو الأفكار والاحساسات والمشاعر التي يبدونها أو التي يتخذونها شعاراً لهم.



نخب سياسية.. نخب ثقافية

ـ مدخل ـ
النخب عموماً، هي الفئات التي تتميز عن بقية أفراد المجتمع من خلال قدرتها على الفعل والإنتاج في مجالها المحدد ـ سياسة، اقتصاد، ثقافة، علوم، الخ ـ وحين نقول نخب سياسية فلا بد أننا نعني بها الأفراد والجماعات التي تمتلك خطاباً سياسياً، وتفترض نفسها قائدة أو موجهة للمجتمع، أو لمكونات منه، وتسعى من ثم إلى الفوز بالسلطة السياسية عبر وسائل مشروعة أو غير مشروعة. وبالمقابل فإن عبارة نخب ثقافية تحيلنا إلى أفراد وجماعات أيضاً، تهتم بالشأن الثقافي، وتسعى لممارسة التأثير على ذهنية المجتمع “قيمه ومعتقداته وأفكاره وأخلاقه وحتى عاداته وتقاليده”. ولسوء الحظ لا توجد معايير دقيقة أو حدود صارمة ونهائية يمكننا من خلال اعتمادها معرفة وفرز من هم في ضمن النخب السياسية أو الثقافية، ومن هم خارجها. وفي معجم ( علم الاجتماع ) الذي حرره البروفيسور دينكن ميشيل يعرّف النخبة بأنها جماعة أو نخبة من الأفراد يُعترف بعظمتها في التأثير والسيطرة على شؤون المجتمع، وهي الأقلية الحاكمة التي تتمتع بسلطان القوة والنفوذ والتأثير أكثر مما تتمتع به الطبقة المحكومة، والنخبة بهذا المعنى تكوّن أقلية متماسكة، إلا أن البروفيسور ميشيل يعود ليعطي تعريفاً للنخبة يتعدى مفهوم السيطرة السياسية ليعني “أي جماعة أو صنف من الناس أو مجموعة من الأفراد يملكون بعض الصفات والقابليات التي يثمنها المجتمع كالقابلية العقلية العالية، المراكز الإدارية الحساسة، القوة العسكرية، السلطة الأخلاقية، أو السمعة العالية والتأثير الكبير. لكن هؤلاء الأفراد الذين يتمتعون بهذه الصفات قد يتميزون بالتماسك أو الفرقة والانقسام وقدراتهم في التأثير في الجماهير تفوق قدراتهم في حكم الجماهير..”(1)وقد يكون في هذا المقام تمييز أدغار مورانا بين نمطين من المثقفين، وهما “Intelligentsia ” و ” “Intellectuelمفيداً حيث المفهوم الأول شمولي وروسي، يبرز نمطه في وضعية تتصف بجمهرة غير مثقفة وبسلطة بربرية، أما الثاني فناتئ وفرنسي ويبرز نمطه داخل مجتمع أقل حدة في تناقضاته، تنتشر فيه الثقافة داخل مجال واسع منه (2).
يتحدث جوليان بندا عن المثقفين الذين يعيشون “في ما يشبه الحيز الكوني، غير مقيدين لا بحدود قومية، ولا بهوية عرقية” وهؤلاء على وفق ما يرى “عصبة صغيرة من الملوك/ الفلاسفة الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية، وبالحس الأخلاقي الفذ، ويشكلون ضمير البشرية” (3) غير أننا في هذا المقام نقصد بالمثقفين شريحة أوسع بكثير من تلك العصبة الصغيرة.. شريحة تتميز عن غيرها بأن ما يهمها، أو ما يشغلها هو حس المعنى، أو قضية المعنى، مثلما يرى دوركهايم ومحمد أركون.
وحيث أن البناء الفوقي الإيديولوجي يكون هو العنصر المهيمن في المجتمعات السابقة على الرأسمالية كما يقول سمير أمين فإن الاهتمام والانهمام بالسياسة سيفوق الاهتمام والانهمام بالاقتصاد والتنمية، وفي أغلب الأحيان يكون هو البديل الأسهل للتحكم والسيطرة وممارسة السلطة.. لن يكون مصدر القوة الأول هو القدرة على الإنتاج المادي أو المعرفي، بل السلاح ومناورات السياسة. وهنا لن تكون الثقافة حقلاً دينامياً لتنمية المعارف والفنون والعلوم بل إيديولوجيا أو إيديولوجيات محروسة بقوة السلاح تتحول هي الأخرىـ أي الإيديولوجيا ـ إلى أداة قمع وإرهاب وسيطرة. ولذا انهمك المثقفون كما هو حال الساسة على التفكير بالسلطة السياسية أكثر من تفكيرهم ببناء ثقافة عصرية للمجتمع. يقول أدونيس ” إن المثقف العربي كان ينتج ثقافة، وفي ذهنه أنه يعمل لتأسيس نظام سياسي. كان مثقلاً بهمّ السلطة. كان يعارض السلطة القائمة باسم سلطة أخرى تحل محلها، ولهذا كان نتاجه ـ أي دوره الثقافي ـ وظيفياً من جهة، وتسويغياً، من جهة ثانية. إما أنه يخدم قضية أو اتجاهاً، وإما أنه يسوغ ممارسة”(4).
كانت الأطروحة الإيديولوجية تبدأ غالباً من خلال منطق ونشاط ثقافي وآليات ثقافية وغائية ثقافية قبل أن تتلبس بلبوس السياسة. وثمة نخب، بدأت من مواقع الثقافة قبل أن تقتحم مواقع السياسة كما هو الحال مع كثر من الآباء المؤسسين للحركات والأحزاب العربية، كما أن الماركسية والفاشية والليبرالية كانت كلها أطروحات ثقافية قبل أن تتحول إلى تيارات سياسية. وهناك سياسيون جاءوا من منطقة الثقافة وآخرون جاءوا من ثكنات العسكر، والأخيرين، في الغالب كانوا يندفعون بتأثير من موجهات ثقافية.اجرائياً يغدو من الصعب فك الارتباط بين السياسي والمثقف ولا سيما في بلدان العالم الثالث فالسياسة والثقافة تخترق أحداهما الأخرى بقوة وعمق. ولأجل التمييز بين السياسي والمثقف في إطار هذا المقال نلجأ إلى العنصر الوظيفي فالسياسي هو من يكون شاغله السياسة والموقع السياسي. أما المثقف فهو من ينشغل بالمعضلة الثقافية، بإنتاج القيم الثقافية ونشرها معتمداً وسائل التأثير في العقليات والقيم والسلوك.
يدخل المثقف منطقة السياسي حين ينتج خطاباً موجهاً للآخرين، فهو بدءاً من هذه اللحظة يرمي إلى التأثير والتغيير. وهو يقرأ ويحلل ويفسر الحدث والظاهرة ويؤولهما من أجل أن يؤثر ويغير. فالتأثير والتغيير ممارستان سياسيتان وهدفان سياسيان. وبدءاً من هذه اللحظة أيضاً تأخذ العلاقة بين المثقف والسياسي منحى إشكالياً. يحاول السياسي أحياناً استعارة أو حتى سرقة دور المثقف، وعمل مؤسسات السياسة من أجل تحقيق مشروعها السياسي، في مجتمع ما، سيؤول، في النهاية، بلا أدنى ريب، إلى تبدلات في النسيج الثقافي لذلك المجتمع. كما يحاول المثقف، في أغلب الأحيان، ولا سيما في مناطق الاضطراب السياسي، أو الحراك السياسي العنيف الدخول إلى منطقة السياسي، ومزاحمته في التأثير على مسار الحدث، وعلى قناعات المجتمع. وفي هذه الأثناء تشرع السلطة ـ أية سلطة ـ ومنها السلطة السياسية، باللعب في علاقتها بالمثقفين بآليتي الإقصاء والإدماج كي تفرز العصي على الاحتواء من ذلك الذي من الممكن أن يمتثل رغبة أو رهبة.
* * *
لسوء الحظ لم يجر تأريخ أو أرخنة تحولات النخب السياسية والنخب الثقافية وصراعات الأفكار والإيديولوجيات في العراق بصورة منهجية شاملة وبأدوات التحليل الاجتماعي للثقافة والسياسة كما هو الحال في مصر، في سبيل المثال، ومؤلفات “رفعت السعيد ومحمد حسنين هيكل وغالي شكري وعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم ولويس عوض وغيرهم تعين أي باحث يسعى لتقصي تطور النخب على خلفية التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ذلك البلد. وأحسب أن هناك، عراقياً، عشرات ومئات آلاف الوثائق من كتب وأطاريح جامعية وبحوث ودراسات منشورة في الصحف والدوريات المختلفة، ونشرات وبيانات لجماعات وتيارات وأحزاب وحكومات متعاقبة تشكل مادة أولية خصبة لأرخنة تلك التحولات منهجياً. وإن المرحلة المقبلة تهيئ فرصة مناسبة للباحثين والدارسين والمؤسسات البحثية والأكاديمية لخوض تجربة كهذه لما لها من أهمية علمية وتاريخية وسياسة وثقافية تمكّن الأجيال الصاعدة من تحسس مواطئ أقدامها من جهة، والتعرف على هويتها الوطنية من جهة ثانية.
تتكون النخب تاريخياً بتأثير عوامل سياسية واجتماعية شتى، داخلية وخارجية، وفي حاضنة ثقافية ما، ويبقى دور تحدرها الطبقي حاسماً في منحها صفاتها وخصائصها وطبيعتها، ومحتوى وشكل أطرها المؤسساتية وتوجهاتها الإيديولوجية. ولا يحدث كل شيء بفعل قوانين حتم تاريخي. أي أن مآل ونجاحات وإخفاقات هذه النخب تقررها أيضاً الضغوطات والتحديات التي تواجهها، والتشوهات العرضية التي تصيبها، ومصادفات التجربة التي تعترض مسيرتها، تلك التي تعينها، أو تلك التي تعيقها.
خرج الجيل الأول من النخب السياسية العراقية الحاكمة من تحت عباءة العسكر العثماني، ومن انخرط منهم في ثورة الشريف حسين في الحجاز، وقاد مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 المؤسسات الناشئة. أما الجيل الثاني فخرج مثل أسلافه من تحت عباءة العسكر أيضاً، وهذه المرة كان العسكر الراديكالي، فقاد سلسلة من الانقلابات في صراع دموي على الحكم منذ ثورة 14 تموز 1958 وفي الحالتين كانت النخبة العسكرية هي الحاكمة فعلياً، وحتى المدنيين من الساسة الحكام، باستثناءات قليلة، ارتدوا بزة العسكر حيث غابت الشرعية الدستورية لصالح شرعية القوة والقمع والقهر. ولأن المجتمع المدني، والمدينة ذات التقاليد والمؤسسات العصرية لم يكونا قد وجدا بعد، ولأن معظم هؤلاء وأولئك كانوا متحدرين في الغالب من أصول ريفية ـ عشائرية، فقد امتزجت، ها هنا، تقاليد إدارة الثكنة مع تقاليد إدارة العشيرة ممهدةً ومؤسسةً لدولة هجينة لا يمكننا بأي حال أن نسميها دولة القانون والمؤسسات لحكم مجتمع من الصعب أن نطلق عليه تسمية المجتمع المدني.
إن حزمة الشروط والعوامل والظروف الموضوعية التي أنتجت النخب السياسية العراقية هي ذاتها، إلى حد بعيد، التي أنتجت النخب الثقافية العراقية. وفي أوقات معينة كان التماهي بين النخبتين ظاهراً، على الرغم من بقاء العلاقة ملتبسة بينهما، فقد كانتا تتحركان في ضمن حاضنة اجتماعية ـ تاريخية واحدة، وتتقاطعان في اللحظة التي تتباين فيها مواقعهما إذ يتبوأ السياسي المركز تاركاً المثقف في الهامش. ولعلنا، انطلاقاً من هذه الحقيقة، نستطيع تأشير كثر من السمات والأمراض المشتركة بينهما، بدءاً من اللغة المستخدمة ذات المحمول السياسي/ الإيديولوجي الثقيل، وليس انتهاءً بالازدواجية بين الفكر والسلوك. وتاريخياً كان هناك سوء فهم وربما سوء نية أيضاً في العلاقة بين النخبتين وقد خشي السياسيون منتجي الثقافة من الذين كانت عدتهم على الدوام المساءلة والشك وتخطي الخطوط الحمر، وربما المراوغة كذلك، والتورية والغموض.
* * *
أنشأ التماس مع الآخر/ الغرب بوجهيه ( الاستعمار والتمدن ) نمطين من النخب السياسية. النمط الأول؛ هم اللبراليون وهؤلاء تحدروا إما من الطبقة شبه الإقطاعية الآفلة القديمة، أو من البورجوازية الناشئة. النمط الثاني؛ وهم الراديكاليون من قوميين وماركسيين تبنوا الفكر الاشتراكي برؤى مختلفة، وهؤلاء في غالبهم كانوا متحدرين من البورجوازية الصغيرة التي تكونت في كنف الدولة الفتية أو من أصول ريفية، أو كانوا عسكريتاريا ذات أصول ريفية ولا سيما القوميون منهم، أو ممن نشأوا في هوامش المدن التي تكونت مع الهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ومعظمهم من المحافظات الجنوبية. وهذه الهوامش سيكون لها دور مؤثر في التوزيع الديموغرافي العراقي فيما بعد.. كان الحافز لنشوء هذين النمطين هو ما يمكن تلخيصه بعبارة صدمة الاستعمار ووعي التخلف. وكانت هذه النخب تولد في العراق بالتوازي مع، أو بمحاكاة ما كان يحصل في مصر وبلاد الشام. أما الإسلام السياسي فنشأ في مرحلة تالية كرد فعل لنشوء هذين النمطين ولأسباب موضوعية أخرى ليس هنا مجال الخوض فيها.
ولم تكن ولادة الأنتلجنسيا، أي النخب الثقافية العراقية الحديثة بعيدة عن هذا المناخ. وقد تأثرت هذه النخب، وهي في مرحلتها الجنينية، بما كان يحدث في مركز الإمبراطورية العثمانية المريضة من إرهاصات تغيير وتحديث، وبما كان يجري في المحيط العربي منذ انطلاقة ثورة الشريف حسين في الجزيرة العربية بمساندة ورعاية استخبارية وعسكرية بريطانية. وما حصل من تغييرات جيوبوليتيكية بعد الحرب العالمية الأولى من تقسيم لميراث الإمبراطورية العثمانية المهزومة والمفككة بين المنتصرين ـ بريطانيا وفرنسا ـ كذلك فشرارات النهضة الفكرية في البلدان العربية الأخرى مثل مصر وبلاد الشام كانت قد وصلت إلى العراق قبل ذلك، ناهيك عمّا جاء به الرعيل الأول من الذين تماسوا مع فكر الغرب بشقيها الليبرالي والماركسي. وبهذا نشأت النخب هذه في حاضنة السياسة، أو تحت تأثير الهمّ السياسي. وإذ تأخرت انعكاسات عصر النهضة على الوضع العراقي نسبياً بسبب عوامل ذاتية وموضوعية فإن النخب العراقية، مع بدء تأسيس الدولة/ الأمة العراقية في 1921 وجدت نفسها ملزمة بتكوين رؤية وخطاب ثقافيين/ سياسيين يرهص لمشروع وطني حقيقي. بيد أن هذا المشروع لم يتوضح قط، وبقي مضبباً، وبين شد وجذب، طوال أكثر من ثمانية عقود، في برامج الأحزاب السياسية، وفي تضاعيف الإيديولوجيات المتبناة من قبل النخب والقوى السياسية والثقافية. ولم يحصل عليه ، وعلى أسسه إجماع فاعل، بينها. أو بعبارة أخرى؛ إن هذا المشروع الوطني نُسي في حمى الصراع السياسي على كرسي السلطة من جهة، وفي السجالات الفكرية العقيمة بين النخب من جهة ثانية.
كانت التغييرات الحاصلة مفاجئة ومتسارعة وصادمة بالقياس إلى قرون من التراجع والركود الحضاري امتدت لقرون منذ سقوط بغداد على يد المغول في القرن الثاني عشر الميلادي. وكانت التناقضات والإشكاليات والمفارقات التي رافقت مسألة تأسيس الدولة العراقية قد انعكست بعمق على طبيعة نخبها السياسية والثقافية الوليدة، حيث لم تستطع التخلص من بعض عقابيلها وتداعياتها حتى يومنا هذا.
::. سعد محمد رحيم
الهوامش:____________________________1ـ ( معجم علم الاجتماع ) تحرير البروفيسور دينكن ميشيل ـ ترجمة الدكتور إحسان محمد الحسن ـ دار الرشيد للنشرـ بغداد.. ط1/ 1980 الصفحات؛ 117 ـ 121.2 ـ ( علم اجتماع المعرفة ) الدكتور معن خليل عمر ـ منشورات جامعة بغداد/ 1991 ـ ص 267.3 ـ نقلاً عن ( صور المثقف ) إدوارد سعيد.. ترجمة؛ غسان غصن ـ ص 22.4 ـ ( النظام والكلام ) أدونيس ـ دار الآداب ـ بيروت.. ط1/ 1993 ـ ص25.



النخبة السياسية في المغرب؛ أية رهانات؟

د. إدريس لكريني
12 فبراير 2008

مقدمة
تنطوي دراسة النخبة في أي مجتمع على أهمية كبرى باعتبارها تسهم بشكل كبير في فهم وتفسير السلطة السياسية داخل الدولة، فداخل أي مجتمع نجد هناك فئة محدودة حاكمة؛ تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..؛ وتلعب أدوارا طلائعية داخل النسق السياسي وتملك سلطات على مستوى اتخاذ القرارات أو التأثير في صياغتها في أقل الأحوال، وأخرى واسعة محكومة ولا تملك نفس الإمكانيات فيما يخص صناعة هذه القرارات.
وهكذا توجد في كل مجتمع من المجتمعات نخبة أتيحت لها إمكانية الاضطلاع بأدوار رئيسية ومهمة في مختلف المجالات.
ويكتسي طرح موضوع النخبة السياسية في المغرب خلال هذه المرحلة أهمية كبرى بالنظر لمظاهر التحول الذي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة؛ والمسؤوليات التي يفترض أن تتحملها هذه النخب على طرق بناء مجتمع ديموقراطي.أولا- السياق التاريخي
سارت معظم الدراسات التي انصبت على مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب، في اتجاهين، الأول: أنكر وجود نظرية للنخبة السياسية (عربيا ومغربيا) نظرا لارتباطها بالمفهوم الغربي ومقوماته، سواء في أبعاده التاريخية الماركسية أو الديموقراطية، والثاني: أكد على هذا الوجود؛ سواء بالاعتماد على التاريخ السياسي للمغرب أو من خلال ربط ظهورها بالوجود الاستعماري.
إن مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب ينطوي على صعوبات شتى؛ نظرا لتأثرها بمجمل التحولات التي شهدها المغرب من جهة؛ وبمواقف النظام السياسي من جهة ثانية؛ مما يتطلب استحضار مختلف المحطات السياسية الكبرى في تاريخ المغرب الحديث، وكذا السلطات المحورية التي يحظى بها الملك في النسق السياسي والدستوري المغربي، التي لا تترك للنخبة السياسية سوى هامشا ضيقا للتحرك.
وبالعودة إلى تاريخ المغرب نجد أن النخبة السياسية في البلاد كانت تتكون من عنصرين رئيسيين: المخزن والخاصة، وضمن هذا السياق نجد فئة العلماء والشرفاء وشيوخ الزوايا التي تستمد قوتها وشرعيتها من وظائفها الدينية؛ هذا بالإضافة إلى رؤساء الحرف والقياد..
قبل أن تتراجع هذه النخبة بفعل الاحتلال الفرنسي، بعدما عمل هذا الأخير على تهميش إدارة المخزن؛ بالشكل انعكس بالسلب أيضا على أدوار “الخاصة” من علماء وشرفاء وشيوخ وزوايا(1).
وفي ظل هذه الظروف؛ سيطغى الطابع الوطني على هذه النخبة في سياق مواجهة المستعمر، كما ستتعزز الحركة الوطنية بفئات سبق وأن تلقت تكوينا عصريا، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوعي ببعض القيم الليبرالية المرتبطة بتقديس الحريات واعتماد أساليب ديموقراطية في تدبير الخلافات السياسية.
ونتيجة لحصول المغرب على استقلاله سنة 1956؛ ستشهد النخبة تطورا ملحوظا؛ بعدما ارتفع عدد موظفي الدولة، وتعزيز هذه الفئة بنخب ثقافية واقتصادية جديدة.
وهو ما سمح ببروز صنفين من النخب، الأولى: تقليدية؛ حاولت الاستمرار والمحافظة على خصائصها رغم التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية المتلاحقة، والثانية: حديثة؛ استفادت من هذه التحولات وبرزت في العقود الأخيرة؛ مما تمخض عنه نوع من الصراع والتنافس بين مختلف الفاعلين السياسيين.
ثانيا- الطريق إلى النخبة السياسية
إن أهم السبل التي تؤدي إلى ولوج عالم النخبة السياسية في المغرب؛ تتلخص في التعيين (النخبة الحكومية والإدارية العليا)، والانتخاب (النخبة البرلمانية).
فبخصوص اقتحام الأولى؛ يظل الأمر بحسب البعض مرهونا ب”الأصل النبيل” والإمكانيات المالية” والحصول على “الرضا المخزني”، فيما يظل عامل الكفاءة ثانويا، فأن يكون المرء وزيرا في النسق المغربي فذلك يعني مرورا مفترضا عبر عدد من القنوات، ويعني كذلك حيازة أكيدة لعدد من الرساميل المفتوحة على الجاه والأصل النبيل(2)، كما أن المصاهرة تقود أيضا إلى صنع القرار(3).
أما اقتحام الثانية؛ وبالإضافة إلى السبل الانتخابية المشروعة؛ فهو يعتمد في كثير من الحالات على سبل متحايلة، وملتوية وغير شرعية؛ فما تعرفه العمليات الانتخابية من بعض مظاهر الفساد تفرض أشخاصا بعينهم وتحول دون تجدد هذه النخبة، كما أن تزكية العضو للترشيح للانتخابات التشريعية أو المحلية داخل مختلف الأحزاب؛ تخضع في العديد من الحالات لاعتبارات آنية وبعيدة عن الكفاءة والجدارة؛ بعدما تحول هاجس الأحزاب إلى الحصول على نسب مهمة من المقاعد داخل البرلمان، دون التفكير في تطوير أدائها ووظائفها.
وضمن هذا السياق، تعيش الأحزاب السياسية المغربية أزمة حقيقية على مستوى تدبير اختلافاتها الداخلية ووظائفها الاجتماعية والسياسية، فالديموقراطية الداخلية تصبح بدون جدوى كلما تم الاقتراب من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب؛ حيث يفرض أسلوب التزكية والتعيين نفسه بقوة؛ ويسود منطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية؛ بالشكل الذي يكرس “شخصنة” هذه الهيئات ويحول دون تجددها، وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى جدية ومصداقية مطالبة هذه الأحزاب للأنظمة السياسية بإعمال أسلوب الديموقراطية؛ وذلك في الوقت الذي تتنكر له هي نفسها في ممارساتها الداخلية.
وأمام هذه الاعتبارات “يصير الوصول إلى القمة محكوما بعدد من الولاءات والتضحيات والتحالفات والخصومات والضرب تحت الحزام أيضا، خصوصا وأن الوصول إلى أعلى الهرم الحزبي يفتح الطريق مباشرة نحو إمكانيات الاستوزار وصنع القرار”(4).
وكل هذه العوامل بالإضافة إلى ضعف التأطير والتعبئة والتنشئة الاجتماعية والسياسية الذي يترجمه المستوى الهزيل لإعلامها؛ والتعصب للمواقف – التي تترجمها ظاهرة الانشقاقات التي تعرفها هذه الأحزاب - وضعف وهشاشة ولاء أعضائها – التي يؤكدها أيضا الإقبال المكثف على الانتقال من حزب لآخر -؛ واعتماد إصلاحات داخلية “ترقيعية” مرحلية؛ يسهم في تكريس العزوف السياسي في أوساط المجتمع بكل فئاته.
ثالثا- بين التدجين والتهميش
تؤكد مجموعة من المحطات في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال؛ أن النظام السياسي - الذي يتميز عادة بقدرة هائلة على احتواء أو إقصاء المشاريع المضادة-؛ وفي سبيل تحقيق نوع من التوازن للمؤسسة الملكية داخل الحقل السياسي المغربي؛ اتجه إلى إضعاف هذه الأحزاب؛ تارة بتشكيل أحزاب “إدارية منافسة” أو جمعيات مدنية تنافس الأحزاب على مستوى تدبير الشؤون المحلية؛ أو بالعمل على خلق ظروف تؤدي إلى انشقاق هذه الأحزاب، وتارة أخرى باحتوائها وإدماجها؛ عبر تمكين أعضائها من مناصب هامة، أو عبر ممارسة التهميش والإقصاء؛ وبخاصة في مواجهة النخب الحزبية الذين يصعب تطويعها؛ بالشكل الذي يحول دون بلورة مشاريعها واقتراحاتها.
أما فيما يخص مؤسسة الحكومة، فقد لاحظ البعض أن “النظام عمد بدوره إلى المحافظة على ازدواجية هذه النخبة؛ إذ نجد نخبة من “المنتمين” في مقابل نخبة التقنوقراط، فقد تميل كفة المنتمين ضد التقنوقراط، وقد تميل كفة التقنوقراط ضد المنتمين، وذلك تبعا للظروف السياسية والاقتصادية، وسعي النظام إلى الحفاظ على هذه الازدواجية، هو بمثابة ضمانة للاستقرار السياسي ولإبعاد هذه المؤسسة عن جو الصراع السياسي”(5).
وكإجراء منه للتضييق على العمل الحكومي ومنافسة صلاحياته في مجالات تنفيذية مختلفة وزيادة على وجود حقائب وزارية “سيادية” تمارس خارج مسؤولية الأحزاب(الخارجية، الشؤون الإسلامية؛ الداخلية)، عمل النظام المغربي في العقود الأخيرة على إنشاء مجموعة من المؤسسات التي تعمل بتوجيهات ملكية وبإمكانيات مهمة؛ وتملك سلطات واسعة في اتخاذ القرارات الحاسمة في مختلف المجالات المندرجة ضمن صميم النشاط التنفيذي؛ الأمر الذي يتيح بروز نخب موازية ومنافسة للنخبة الحكومية(6).
وإذا كانت النخب الحزبية قد ظلت إلى حدود التسعينيات من القرن المنصرم تشتغل في جو سياسي قوامه الحذر وعدم الثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين وسيادة ثقافة المعارضة، وتزايد أدوار البيروقراطية ضمن المناصب العليا للدولة، فقد شهدت بعض التحول تبعا للمتغيرات السياسية التي شهدها المغرب في هذه الفترة - وصول المعارضة إلى الحكم - بالشكل الذي سمح بحدوث نوع من التجديد والتبدل في الأدوار.
وأمام هذه الأوضاع التي تعبر عن الجمود الذي أصبح يعتور عمل الأحزاب، تساءل البعض(7): هل يمكن لنخبة سياسية مصطنعة أن تراعي مصلحة الوطن والأمة، لما تكون قد أثبتت أنها فضلت – وعلى امتداد عقود من الزمن – مصالحها الأنانية واللاعادلة؟ ويضيف بأن خطابات اليمينيين فقيرة وبئيسة؛ تردد نفس “الألحان والأوزان”.. أما اليساريون الجذريون.. فما زالوا تائهين بين ماضيهم ومستقبلهم.. وأما النخبة السياسية الاشتراكية التي وصلت مرة أخرى إلى السلطة الحكومية.. فلم تتوصل إلى التخلي الصريح عن إيديولوجيتها الاشتراكية التي أصبحت تعوق ليبراليتها الفعلية..
وضمن هذا السياق أيضا؛ وجه عدد من الباحثين والمهتمين مجموعة من الانتقادات لتجربة “التناوب” وحمل النخب الديموقراطية مسؤولية كبرى، نظرا لتحول المشاركة في العمل الحكومي إلى هدف، الأمر الذي أفرغها- التجربة- من أهميتها.
وأمام هذه الأوضاع وعدم بروز معارضة قوية وفاعلة في البرلمان، انخرط مجموعة من الفاعلين (نخبة من المثقفين، الصحافة المستقلة، هيئات حقوقية، جمعيات مدنية..) في نقاش موسع حول ضرورة إعمال إصلاحات حقيقية في النسق السياسي المغربي كفيلة بإحداث تغييرات فعالة.
وإذا كان البعض يعتقد بأهمية وضرورة تأهيل المؤسسة الحزبية كمدخل للتحديث والديموقراطية وبخاصة مع صدور قانون الأحزاب، فإن الإصلاح الدستوري الكفيل بتوسيع وتوضيح مجال وهامش تحرك النخبة السياسية يعتبر بدوره أمرا مطلوبا.
الهوامش:
1- حسن قرنفل: المجتمع المدني والنخبة السياسية، المجتمع المدني والنخبة السياسية، إفريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الأولى 2000، ص 159
2- عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، دفاتر وجهة نظر (9) الطبعة الأولى 2006؛ ص 26
3- عبد الرحيم العطري، صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق؛ ص 31
4- عبد الرحيم العطري: صناعة النخبة بالمغرب، مرجع سابق، ص 36
5- عزيزة حاجي: النخب السياسية في المغرب، محاولة للتحديد، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2002- 2001 (غير منشورة)، ص 295
6- نشير إلى أن علاقة النظام السياسي بالنخبة السياسية وتحكمه في مسارها؛ يختلف في أشكاله بحسب الظروف السياسية وطبيعة النخبة السياسية نفسها، فقد يتخذ تدخله في مسارها شكلا صارما وعنيفا مثلما تم خلال إعلان حالة الاستثناء بعد بروز صراع سياسي نتج عنه تقديم ملتمس الرقابة في 15 يونيو 1964؛ وقد يكون أقل عنفا؛ إما في شكل تحكيم سياسي بطلب من الأطراف المتصارعة..، أو قد يكون في شكل ضمانات ملكية أو عن طريق إقرار أسلوب “الحوار والتراضي”.. لمزيد من التفاصيل في هذا الشأن، راجع: عزيزة حاجي: النخب السياسية في المغرب؛ محاولة للتحديد، مرجع سابق، ص 295؛ ص 23
7- محمد الهلالي: اليساريون الثوريون بالمغرب، منشورات اختلاف، المغرب؛ الطبعة الأولى 2001 ص 9 و10

أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية

عرض/ محمد عيادي

كان كتاب "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية" في الأصل أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية أنجزها الطالب الأميركي جون واتربوري وأقام من أجلها في المغرب بين سنة 1965 و1967، لكنه صار بعد ذلك مرجعا مهما لفهم تاريخ الحياة السياسية المغربية وآليات تحركها وطبيعة الفاعلين فيها.

صاحب الكتاب الذي يشغل حاليا مدير الجامعة الأميركية ببيروت اضطر بمناسبة ترجمته للغة الفرنسية لتنقيحه وتعديله باختصار بعض الفقرات وحذف أخرى وإضافة معطيات جديدة تتعلق أساسا بالوضعية التي نتجت عن المحاولتين الانقلابيتين لسنتي 1971 و1972، معترفا في الوقت نفسه بأنه قدم العديد من آرائه الخاصة والاجتهادات التي قد تكون مجانبة للصواب ومغرقة في الذاتية، خاصة أنه يعتبر أن الموضوعية في العلوم الاجتماعية صعبة المنال.

-العنوان: أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية-المؤلف: جون واتربوري-المترجمون: عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي، عبد اللطيف الفلق-عدد الصفحات: 474-الناشر: مؤسسة الغني للنشر، الرباط-الطبعة: الأولى 2004
وقد صدر الكتاب أول مرة باللغة العربية سنة 1982 عن دار الوحدة ببيروت لكن طبعتها لم تر النور بالمغرب ولم يسمح لها بالتداول في السوق كما لم يسمح بطبع هذا الكتاب في نسخة مزيدة ومصححة ومنقحة إلا في شهر مايو من السنة الجارية.


معطيات تاريخية
رصد واتربوري في الفصل الأول البنيات التقليدية للمجتمع المغربي في فترة الستينيات وتأثيرها في طبيعة السلوك السياسي للنخبة يومها من حيث عدم القدرة على حسم التحالفات مع جهة واحدة واستمرار عقلية القبيلة لدى كثير من الفئات.

وسجل أن المغرب عرف بين سنة 1912 وهو تاريخ فرض نظام الحماية وسنة 1955 قبيل الاستقلال بسنة تغيرا كبيرا في الإطار السياسي، حيث تقوت وتوسعت بنيته الإدارية العصرية على حساب الزوايا والقبائل، وكذا في طبيعة اقتصاده بنشوء طبقة عاملة وتراجع الطبقة التجارية بمفهومها التقليدي.

وخلص واتربوري إلى أن تلك التغييرات تشكل أبرز آثار ما سماه الإرث الفرنسي، وقرر في الفصل الثاني أن المغرب لم يعرف قبل سنة 1912 تغييرا يذكر على مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي بخلاف بعض أقطار شمالي إفريقيا التي شهدت بعض عناصر التحديث على يد الإدارة العثمانية أو على يد الاحتلال الفرنسي والتغلل الاقتصادي الأوروبي فيها.

واعتبر واتربوري في كتابه أن فرنسا اقتحمت عالم السلطنة المغربي المغلق وأحدثت تحويلا في الأساليب الحكومية التقليدية، بحيث ثبتت خلال استعمارها للمغرب جهازا إداريا مركزيا، وطورت قطاعات مثل الفلاحة والصناعة والمعادن والتجارة.

وقامت بالمقابل بتقليص مفعول العناصر الأساسية التي كان يقوم عليها النظام التقليدي -القبائل والمخزن ورجال الزوايا والطرق- بحيث لم تعد تلعب إلا دورا ثانويا بعد توحيد وإخضاع الكل للمركز.

"فرنسا اقتحمت عالم السلطنة المغربي المغلق وأحدثت تحويلا في الأساليب الحكومية التقليدية بحيث ثبتت خلال استعمارها للمغرب جهازا إداريا مركزيا"
وتطرق خلال ذلك للحركة الوطنية وأصولها باعتبارها قوة جديدة أتعبت سلطات الحماية بانخراطها في النضال السياسي المنظم ابتدءا من سنة 1945، واصفا إياها بكونها قيادة برجوازية متنورة ومثقفة بأرضية سلفية دينية.

غيرأن الحركة التي صعب على الاستعمار الفرنسي احتواؤها، فشلت في تكوين نخبة سياسية متماسكة قادرة على ممارسة السلطة والمساهمة فيها بعد الاستقلال بحيث تميزت نقاشاتها حسب واتربوري بالبيزنطية، ليجد المغرب نفسه بين إرثين إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياتها.

وضعية ربطت الحياة السياسية المغربية وتاريخها بعد الاستقلال بمدى القدرة على التوفيق بين الإرثين أي بمدى القدرة على التزام الشخصية المغربية بمقاييس وقواعد المؤسسات العصرية والسوق الاقتصادية والآليات الجديدة في التنظيم من قبيل الأحزاب السياسية والنقابات وغيرها، دون المس بخصوصيات ما سماه واتربوري الشخصية المغربية.


محاولة في التأويل.. النظرية الانقسامية
تبنى جون واتربوري في تحليله للنخبة والحياة السياسية المغربية وفي رصد سيرورتها "النظرية الانقسامية" التي تستعمل أساسا في الحقل الأنثروبولوجي (علم الإنسان)، وذلك للوصول إلى نتائج مسبقة اعترى الكثير منها الخطأ وعدم الحياد.

فقد انطلق في الفصل الثالث من كون التوتر الدائم في مستويات مختلفة يعد من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون بحيث يبدو وكأنه موشك على الانفجار لكن طبيعته الأساسية هي الجمود.

ولكي تسعفه النظرية المذكورة اعتبر أن المغرب ومجتمعه في العموم منحدر من القبيلة وأن قيم وأنماط السلوك السياسي السائدة فيه ذات طابع قبلي شبيه بدول الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي وظف فيها الباحثون الغربيون الذين استند إليهم واتربوري لدراسة وإعمال النظرية الانقسامية التي وضع دوركهايم أسسها في بداية القرن في شكلها العام في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي" بغية البحث عن مفاتيح جديدة في البحث العلمي ورصد أنماط الحياة في المجتمع القبلي ومعرفة نوعية العلاقات السائدة بين أفراده ماذا يوحدهم وماذا يفرقهم؟

"الحركة الوطنية قوة جديدة أتعبت سلطات الحماية بانخراطها في النضال السياسي المنظم.. وهي قيادة برجوازية متنورة ومثقفة بأرضية سلفية دينية"
ويوضح دوركهايم الشروط الانقسامية التي ترتكز على التشابه بقوله "لكي يكون التنظيم الانقسامي ممكنا لابد من أن تتشابه الأقسام ودون هذا التشابه لا يمكن أن تتحدد وأن تتباين، ودون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض وتنتهي للتلاشي".

فاعتمادا على المنهج الانقسامي حاول واتربوري انطلاقا من الفصل الثالث من الكتاب دراسة وتحليل سلوك النخبة السياسية المغربية في مرحلة الستينيات بالأساس، دراسة اعتمدت على تركيب نظري ضخم لسيرورة التحولات والوقائع الاجتماعية منذ استقلال المغرب إلى غاية منتصف الستينيات.

وقد ذكر الفئات الأساسية المشكلة للمجتمع المغربي يومئذ والتي تكمن في مشاعر الانتماء للدين والزوايا والقبيلة والأسرة والحي من قبيل عائلتي الفاسي والوزاني ببنية مدينية واحدة، والانقسام تبعا لأهداف مادية عقلانية بين تجار سوس وتجار فاس كنموذج, والانقسام تبعا للبنيات التنظيمية الحديثة من قبيل الأحزاب والنقابات والجماعات الاقتصادية وغيرها.

وهي الفئات التي سماها بالفصائل الانقسامية التي تحدد الصراعات داخل المجتمع المغربي.

والفصول المتبقية من كتاب "أمير المؤمنين الملكية النخبة السياسية المغربية" ركز فيها على جدلية التوتر والجمود باعتبارهما طرفي نقيض تعايشا في فترة ما بين سنة 1956 و 1965 التي اشتغل عليها المؤلف ونعتها بعض الباحثين بـ"فترة خميرة المغرب الحديث" لكونها كانت حاسمة ومجالا لكل الرهانات والصراعات بين الفاعلين السياسيين.

وتجلى التوتر في الدعوات المتتالية للإصلاح وانتظار المواطنين ومختلف الفئات التي نعتناها سلفا بالحديثة لمواجهة الجمود السياسي لكنه توتر لا ينتج تحولات سياسية.


واقع النخبة السياسية
وإذا كان المؤلف اعتمد التعريف الإجرائي للنخبة السياسية بكونها الفئة المؤثرة في اتخاذ القرار (الجمعيات, القبائل, العلماء, الأثرياء, المثقفون, الشرفاء, المعارضة...) ملقيا الضوء على الهياكل الكبرى للنخبة في شخص البرجوازية الحضرية وتبني إستراتيجية المصاهرة السياسية لدى العائلات الفاسية الأرستقراطية الفلاحية، فإنه نبه إلى أن التأثير الثقافي المحدود للاحتلال الفرنسي على سكان المغرب واقتصاره على قطاعات محددة من قبيل المجال العسكري والإداري وبعض الفئات في المدن جعل ما سماه واتربوري بالسلطة الإدارية والسلطة العسكرية تشكل النخبة السياسية المغربية يومها.

وقد فصل القول في العوامل الاجتماعية والإقليمية المؤثرة في نشوء النخبة السياسية التي كانت تمثل أقلية ذات مستوى تعليمي مرتفع وسط أغلبية أمية بفعل السياسة التعليمية النخبوية التي نهجها الاستعمار الفرنسي بحيث لم يتجاوز عدد المغاربة الذين اجتازوا امتحان الباكلوريا ما بين سنة1912 و1954 530 تلميذا.

هذا فضلا عن كون جميع أفراد الطبقة الحاكمة يومئذ كانت تعرف بعضها البعض معرفة شخصية ودية كانت أو عائلية لم تمنع من الاختلافات في وجهات النظر برأي واتربوري لكنها كانت كافية للتخفيف من حدة المواقف بطريقة فعالة.

"التوتر تجلى في الدعوات المتتالية للإصلاح وانتظار المواطنين ومختلف الفئات التي نعتناها سلفا بالحديثة لمواجهة الجمود السياسي لكنه توتر لا ينتج تحولات سياسية"
غير أن الوضع المذكور لم يستمر طويلا بحيث لم تصمد العلاقات الشخصية داخل النخبة المغربية التي نسجتها خلفية اجتماعية مشتركة أمام زحف جيل من الشباب الذين سارعوا بدورهم لاقتحام الطبقة المسيرة بأصل اجتماعي وتكوين مختلف، زحف ساهمت فيه جهود مغرب ما بعد الاستقلال في ميدان التعليم.

واسترسل ووتربوري في رصد الرهانات المزدوجة المتمثلة في هيمنة الحكم واحتواء النخبة السياسية, وهيمنة هذه النخبة على المجتمع، وتطرق للسياقات السياسية للحياة الحزبية المغربية في العقد الأول من الاستقلال، حيث تابع ما سماه "دينامية السيرورة الانقسامية للنخبة" من خلال تفسير الانشقاقات الحزبية التي شهدتها الفترة التي شملها كتابه انطلاقا من انشقاق حزب الاستقلال وميلاد اليسار، وانشقاق حزب الحركة الشعبية، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدسورية، متتبعا تفاصيلها بشكل دقيق جعل من الكتاب مرجعا مهما في فهم تاريخ الأحزاب السياسية المغربية.

وخصص المؤلف الفصول الأربعة الأخيرة من كتابه لأدوات احتواء الملكية للنخبة السياسية والتأثير عليها في أفق خدمة إستراتيجيتها وعدها في ست أدوات منها ما سماه البيروقراطية حيث إن للملك صلاحية توزيع المنافع السياسية والمادية للسلطة مما يسمح له بمراقبة فعلية للإدارة، وتسريع دوران التعيينات والتغييرات في المناصب، مع استقطاب الطاقات والكفاءات من داخل الأحزاب السياسية.

ومن أدوات التحكم كذلك وزارة الداخلية بما يدخل تحت إمرتها من ولاة وعمال وقادة وأمن بكل مستوياته، ودرك وقوات مساعدة و.., والجيش, والديوان الذي يشكل حكومة الظل التي تراقب بدقة أنشطة الحكومة الرسمية, والعدالة لكون دستور 1962 احتفظ للملك بحق تعيين كل القضاة مع تأكيده الفصل التام بين السلطات التشريعية والتنفيذية، مع العلم بأن التعيينات تتم عن طريق اقتراح المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه الملك.

وأخيرا أداة الدعاية والصحافة بحكم الرقابة الكاملة للدولة على وسائل الإعلام والاتصال بالرأي العام من إذاعة وتلفزيون فضلا عن بعض المؤسسات الصحفية المؤيدة للخط والتوجه الرسمي.

في الفصل 16 اعتبر واتربوري أن بقاء نظام ما ونخبته رهين بقدرة هذه الأخيرة على بلورة ثقافة سياسية وطنية تستوعب القيم الأساسية، وفي الوقت نفسه تحقيق التنمية الاقتصادية، بحيث تصبح صيرورة الاستيعاب والتنمية الاقتصادية بالنسبة للنظام مرتبطة بمدى قدرته على احتواء الأطر الوطنية المتعلمة وإرضاء حاجياتها المادية وتعطشها للنفوذ.

"الركود الاقتصادي لا يهدد الاستقرار ولا يكتسي خطورة إلا إذا كانت هناك مجموعة من الطامحين غير الراضين تستعمل الوضعية الاقتصادية سلاحا سياسيا للالتحاق بالطبقة الحاكمة وطرد النخب الحالية"
وسجل واتربوري في الوقت نفسه أن الركود الاقتصادي لا يهدد الاستقرار ولا يكتسي خطورة إلا إذا "كانت هناك مجموعة من الطامحين غير الراضين الذين يستعملون الوضعية الاقتصادية سلاحا سياسيا للالتحاق بالطبقة الحاكمة، وطرد النخب الحالية"، مع العلم بأنها لا تملك حلولا لتجاوز ذلك الركود وقد تسهم في استمراره.

وهذا الأمر جعل مشكل طاقة استيعاب النخبة ظاهرة جديدة في المغرب في مرحلة الستينيات التي شملها كتاب "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية في المغرب"، وأراح النخبة الحاكمة التي تكونت في ظل نظام الحماية من منافسة حقيقية.

ولئن كان جون واتربوري سقط في كثير من الأحيان في التعميم، وتبنى آراء مغرقة في الذاتية، فإنه تمكن من تسليط الضوء على النخبة الحاكمة في المغرب ومكوناتها، وانتقادها، متتبعا أدق التفاصيل والأحداث، ومن ثم صياغة أهم عمل أكاديمي تركيبي حول الواقع السياسي المغربي في عهد الحماية وما بعد الاستقلال، يصعب الاستغناء عنه بالنسبة للباحثين والمشتغلين بحقل علم السياسة.

وهذا الكتاب يدفع القارئ اليوم للوقوف على مدى التغير الحاصل بعد 34 سنة من نشره لأول مرة باللغة الإنجليزية في طريقة عمل النخبة السياسية المغربية وطبيعة علاقتها مع المؤسسة الملكية.
المصدر:
الجزيرة

خلال القرن الماضي انتهت فترة الحكم الاستعماري ، وظهرت دول مستقلة حديثا في القارات الثلاث آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، ورغم الاختلافات بين هذه الدول فانها يمكن ان تسمى متطورة او نامية لما تشترك فيه من صفات . فجميع هذه الدول تمر في مرحلة التغير الاجتماعي ، وبلغة النماذج فانها تمر بمرحلة انتقالية من النوع التقليدي الى النوع الحديث . ايديولوجية التطوير : تتشابه الدول النامية في الاهداف التي تتوخاها من التغيير ، ولاهمية الجانب الايديولوجي فأن اهم عناصرها : • ان الهدف المزدوج للتطوير هو البناء القومي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي . وهذه الاهداف مشتركة بين القادة السياسيين في هذه الدول بالرغم من الاختلاف في الاتجاهات والستراتيجيات السياسية . ويعرف البناء القومي بأنه " العملية المخططة لصياغة وقولبة مجتمع سياسي متكامل ضمن حدود جغرافية معينة حيث تكون فيه الدولة الامة ، المؤسسة السياسية الرئيسة . ومما يثير التناقض ان نجد مفهوم الدولة الامة قد اكتسب قوة تأثير في باقي انحاء العالم في نفس الوقت الذي اصبح فيه مفهوم الامة كوحدة سياسية وكعقيدة محل استفهام في الغرب وهو المكان الذي انبثقت منه هذه المفاهيم . ان الانجاز الحقيقي لمفهوم الامة ليس مهمة سهلة في معظم الدول حديثة الاستقلال ويستلزم النجاح في مواجهة تحدي التطور السياسي الذي يتطلب خلق نظام من المؤسسات السياسية القادرة على تنظيم السكان في الدولة وتعبئة الموارد المادية والبشرية بهدف تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والقدرة على معالجة مشاكل التغير السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون التخلي عن دورها في الرقابة او في تعبئة الموارد . وبينما كانت عملية التطوير في اوربا عملية اصيلة وبطيئة ، وحصلت على يد ابناء المجتمع فكانت اصيلة ومن المجتمع ، اذ اعطت مختلف فئات المجتمع مزيدا من الوقت للتكيف ، مما قلص صدمة التحول المفاجيء . اما الدول النامية فهي على العكس من ذلك ، تواجه مشكلة التطوير من الخارج الأمر الذي يعني ضرورة التحلل المفاجيء من الماضي والاعتماد على الاجانب او بعض المواطنين او من كليهما . ان قيام امة حديثة يحتاج لمشاركة المواطنين قاطبة رجالا ونساء في الامور العامة وفي ممارسة حقوقهم وتحمل مسؤولياتهم كأعضاء في المجتمع الاكبر الذي يتجاوز مناطقهم الجغرافية المحدودة وعلاقاتهم العائلية. اما هدف تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في ايديولوجية التطوير فهو على نفس المستوى من الصعوبة بالرغم من انه اكثر قبولا للقياس والظهور ، وتعرف هذه العملية بانها " عملية التحسين المستمرة الشاملة في النواحي المادية وفي مجال الرفاه الاجتماعي " وتعبر الرغبة في الانتصار على الفقر وفي توزيع ثمرات التصنيع في المجتمع حوافز قوية لدى المواطنين في الحصول على ما تتمتع به الدول المتقدمة . ولاشك ان ايديولوجية التطوير تحدد طموحات العمل السياسي والاداري رغم انها لاتحدد الاداة السياسية والادارية اللازمة لتحقيق ذلك بدقة .. ان ثمة رغبة قوية لايجاد حكومة قوية ورئيس قوي ومركزية على درجة عالية ، وذلك للافتراض السائد انه بدون وجود الحكومة القوية ، والقيادة العامة القوية فان مهمة تحقيق الوحدة الوطنية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية تصبح عملية صعبة .. والنهج الذي يسود في هذه الدول يفضل تقليد وتكييف خبرات الدول المتقدمة بغض النظر عن الايديولوجيات السياسية المتبعة . سياسات التطوير : ان معرفة الاساليب السياسية في الدول المتطورة بدائية مبعثرة ، الا انه بالرغم من ذلك ، يمكن تحديد بعض المظاهر الرئيسة للسياسة التي تحكم عملية التطوير ، ومن هذه المظاهر : • وجود ايديولوجية تطوير تعكس الاهداف السياسية الاساسية .• الاعتماد بشكل كبير على القطاع السياسي لتحقيق الاهداف المرجوة في المجتمع .• عدم الاستقرار السياسي .• قيادة النخبة ووجود هوة سياسية بين الحاكمين والمحكومين .• عدم وجود توازن في نمو المؤسسات السياسية وقوة البيروقراطية الزائدة . ان طبيعة الاهداف التطويرية والحاحها يحتم على الدولة ان تكون الاداة الرئيسة لتحقيقها ، اذ لايتوفر الوقت والوسائل للمنهج التدرجي في التطوير ، ولا الاعتماد على القطاع الخاص للقيام بهذا الدور كما كان الحال في تجربة الدول الغربية . ان العنصر السياسي يقوم آليا بدور رئيسي في مجتمعات الدول المتطورة . ومهما يكن الأمر فانه ينظر للدولة كمصدر الامل الرئيس لتوجيه المجتمع نحو التحديث . أما المظهر الثاني فهو عدم الاستقرار السياسي في هذه الدول ، وشيوع ظاهرة الانقلابات العسكرية ومحاولات القيام بها . لذا فان مشكلة الحفاظ على الاستقرار ما تزال المشكلة الرئيسة التي تواجهها الدول المتطورة .وتتركز القيادة السياسية في الدول النامية في يد فئة محدودة من السكان معزولة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا عن باقي فئات المواطنين . ويحدد ميهدن اربعة نماذج للقيادة السياسية وهي الاستعمارية، والتقليدية ، والوطنية ، والاقتصادية . وعلى الرغم من تعارض الخلفيات والاتجاهات الثقافية للقادة الجدد والتقليديين الا انهم يتفقون في التزاماتهم بأهداف التطوير التي تتمثل في البناء القومي والتصنيع . وتدرك الفئة التقليدية قيمة التقنية الغربية التي يعرفها اعضاء الفئة العصرية وامكانية الاستفادة منها للحفاظ على سلطتها ، وضرورة ان يغير اعضاءها من مناهج سلوكهم حتى لايطاح بهم على يد الجماهير الواعية المثقفة . ومهما كانت طبيعة التركيبة في القيادة في دولة معينة ، فمن المؤكد ان القيادة السياسية ستكون بعيدة عن الاتصال بالجماهير ، فأغلبية المواطنين الفلاحين في معظم هذه الدول لم يتأثروا ولم يغيروا طرق عملهم التقليدية في العمل الا قليلا فهم لايزالون يعتقدون ان افضل وسيلة للتعامل مع الحكومة هو محاولة تجنبها وعدم الوفاء لها ، ولذلك فهم لايهتمون بالمشاركة السياسية ، فالسلبية وعدم تحمل المسؤولية ظواهر شائعة ، وكثيرا ما تقابل الجهود الرامية للتحديث والنمو بالمعارضة والمقاومة ، مما يعقد مهمة القيادة ، بأستثناء تلك الدول التي ظهر فيها طبقة وسطى مثقفة ، لذلك نجد ان اسلوب الحزب الواحد هو مظهر من مظاهر الحكم في هذه الدول ،و له ما يبرره بصفته الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه الفجوة بين الحكام والجماهير . اما الميزة الاخرى فهي الاختلال السياسي الذي كان نتيجة وجود النماذج المختلفة التقليدية ، والاستعمار ، الذي ادى الى وجود النماذج المختلفة التقليدية ، والاستعمار ، الذي ادى الى وجود انظمة سياسية منحرفة بالمقارنة مع الوضع في الدول الاكثر تقدما وبخاصة تلك التي تتواجد فيها مؤسسات ديمقراطية تمثيلية . ان هذه الدول تفتقر تماما الى وسائل مناسبة للتعبير كوجود ناخبين على مستوى من الوعي او جماعات مهنية منظمة او احزاب سياسية ، وهيئات تشريعية ممثلة للشعب ، واذا وجدت هذه الوسائل فيها فانها تكون ضعيفة وبدائية ، وعلى النقيض من ذلك فالاجهزة التقليدية تتمتع بسلطات وقيادة قوية . الابتعاد عن نظام تعدد الاحزاب : ان طابع وجود حزب سياسي وحيد هو العنصر السياسي الذي يميز الانظمة السياسية في الدول المتطورة النامية . ان اسباب هذه الظاهرة واضحة تماما اذ ان النظام الاستعمار احتوى النواة لنظام الحزب الواحد. فالبيروقراطية التي سيطر عليها الحزب الواحد تزعم انها ممثلة لقطاعات ومصالح المجتمع ، وهو نفس الادعاء الذي ادعته البيروقراطية الحاكمة . وبالاضافة الى الرغبة الطبيعية لدى الذين قادوا حركات الاستقلال في ان يروا انفسهم ( ناطقين بأسم الامة ، ومن ثم باسم الدولة بعد تسلمهم مقاليد الحكم وان افكارهم تعكس بالضرورة رغبات الجميع ، فهم لايرون في الذين يخالفونهم الرأي معارضين سياسيين بل اعداء للدولة وللشعب ) .. وتبرير وجود الحزب الواحد هو الحفاظ على السلطة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وللحفاظ على الوحدة الوطنية بعد التخلص من السيطرة الخارجية ، أي عقيدة احتكار السلطة . و تعتبر ظاهرة التدخل العسكري في الدول النامية ظاهرة بارزة الى حد جعلها موضع كثير من التحليل والتأمل . وتدل الاحصاءات على وجود نزعة متزايدة نحو الانظمة العسكرية ، وتضيف الامثلة الحديثة على تدخل الجيش وتوليه مقاليد الحكم اهمية ِ، فوفقا لما يراه ويلش " ان ما يزيد على ثلث عدد الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة هي حكومات فرضها العسكريون . " الملامح الادارية المشتركة : يعترف معظم المختصين بمشاكل التنمية بأهمية الادارة ، اذ يؤكد الكثيرون على العلاقة المتينة بين وجود جهاز بيروقراطي متطور وبين وجود قيادة عصرية كمستلزمات للتقدم ، وعلى حقيقة تجاهل دور الادارة كعنصر مهم في التنمية ، فالاجهزة الادارية في هذه الدول تكون غير كفوءة وتعاني من العديد من المشاكل ، كما يتضح من خصائصها ، التي تتلخص كالاتي : • الادارة العامة ادارة مقلدة اكثر منها اصيلة . اذ ان معظم الدول حتى تلك التي لم تخضع للاستعمار ، تحاول ان تنقل صورة البيروقراطية الغربية . وتميزت الادارة في هذه الدول بأنها ادارة تقتصر على فئة محدودة نخبوية وذات نظرة ابوية . • افتقار البيروقراطيات الى الكوادر الماهرة القادرة على تخطيط وتنفيذ البرامج التنموية ، ان اجهزة الخدمات العامة تعج بالموظفين الزائدين في المستويات الدنيا مثل الخدم والمراسلين والكتبة الصغار وغيرهم .. ولكن النقص يتمثل في عدم وجود الاداريين المدربين ذوي القدرات الادارية والمهارات التنموية ، والكفاءات الفنية ، ومع ان هذا يعكس حقيقة عدم كفاية النظام التربوي الا انه لايعني قلة عدد حاملي الشهادات الجامعية ، ففي بعض الدول مثل مصر والهند نجد ان هناك اعدادا كبيرة من المتعلمين العاطلين عن العمل وهم درسوا تخصصات غير مطلوبة او انهم تخرجوا من مؤسسات غير معترف بها . • وجود اتجاهات غير انتاجية في الاجهزة البيروقراطية حيث يوجه نشاط البيروقراطية لخدمة اهداف اخرى غير الاهداف المرجوة منها . كما يشير رجز لذلك بانها رغبة البيروقراطيين لتفضيل المصالح الفردية على حساب المصلحة العامة . ان انتشار هذه الممارسات ما هو الا استمرار لقيم متأصلة من الماضي ، لم تتغير رغم تبني الهياكل الاجتماعية الحديثة ، فالمركز الاجتماعي في هذه المجتمعات يقوم على معايير شخصية ، وليس على معايير الانجاز . وان عمليات التوظيف تتأثر بالاعتبارات الشخصية رغم الادعاء بوجود نظام الكفاءة . • التناقض الكبير بين الوضع الرسمي والواقع او ما يسمى بالازدواجية في المعايير ، ويسمي رجز هذه الظاهرة بالشكلية ، وهذه الظاهرة نتيجة طبيعية للمظاهر التي ذكرناها وتعكس الاصرار على الظهور بمظهر ما يجب ان تكون عليه الامور خلافا لما هو عليه الواقع .• تتمتع البيروقراطية في هذه الدول بدرجة استقلال كبيرة بسبب التقاء قوى كثيرة فيها . فقد كان الاستعمار يحكم هذه الدول من خلال البيروقراطية التي تأتمر بالسياسة العامة من مصادر بعيدة والظاهر ان هذا النهج استمر حتى بعد تغير الوضع ، فالبيروقراطية في الدول النامية تحتكر الخبرة الفنية ونتفع بمزايا الهيبة في مجتمع يهدف للتصنيع والتطوير الاقتصادي ، اما البيروقراطية العسكرية فهي التي تمتلك اسلحة القهر والاجبار . الخصائص المشتركة للبيروقراطية في الدول النامية :
1. مشكلة الانحراف الاداري : وهو احد اخطر جوانب الظاهرة البيروقراطية ويتمثل في شيوع السلوك الانتهزي الاناني ، وشيوع الوساطة والمحاباة . ولاشك ان الانحراف الاداري هو انتهاك لكل الاخلاقيات والقيم التي هي بمثابة الاساس الذي يجب ان يعلو فوق أي نمط من انماط السلوك الاداري الصحيح . كما ان الامر يرتبط في جانب اساسي منه بعدد من العوامل والاعتبارات التي تدفع الى ظهوره ، ومن اهمها : • تصميم هياكل بيروقراطية بطريقة لاتستند الى الاسس والمقومات التنظيمية السليمة . • تخلف القيادات الادارية وضعف تأثيرها على مجموعات التابعين . • سوء التربية الاجتماعية والقومية وتخلف المناخ الاجتماعي العام .• ضعف المستوى المادي للوظيفة الحكومية .• عدم كفاية نظم الحوافز المادية والمعنوية المعمول بها . • سيطرة الشعور بالقلق النفسي وعدم الأمان .
2. البيروقراطية ومشكلة الهبوط في مستوى الكفاءة الادارية : وهذه المشكلة تمثل حجر الزاوية في معظم حملات النقد الموجهة ضد البيروقراطية ، لان الدول النامية تعاني عموما من انخفاض مستوى الكفاءة الادارية ، بسبب : • كثرة القيود الاجرائية .• التمسك بحرفية القوانين واللوائح .• عدم التقدير الكافي لقيمة الوقت كعنصر حيوي من عناصر العملية الادارية . • شيوع المناخ الاحباطي .
3 - مشكلة الاستبداد بالسلطة .
4 - صعوبة التأقلم مع البيئة .
5 - البيروقراطية ومشكلة التضخم .6
– امتداد التضخم الى البناء الحكومي .
7 - تعدد مستويات التنظيم .
8 - الاسراف وارتفاع التكلفة الاقتصادية للخدمة او الانتاج .
9 - الفساد الاداري .
10- اضفاء طابع السرية الشديد والمفتعل
.11- الجنوح نحو النمطية .
12 - عدم الاعتماد على الاساليب العلمية
.13 - الاعتماد على غير الكفاءات في الادارة العليا .
14 – قضية الديمقراطية وتحديات البيروقراطية .
15 - عدم التنسيق بين المؤسسات والادارات المعنية .
المصادر : ــــــ1 - فيرل هيدي ، ترجمة واعداد الدكتور محمد قاسم القريوتي " الادارة المقارنة الحديثة " دار المستقبل ، عمان ، 1989 2 – الدكتور محمد فتحي محمود " الادارة العامة المقارنة " الرياض 1997 3 - الدكتور ابراهيم درويش " الادارة العامة ، نحو اتجاه مقارن " القاهرة 1974

القيادة السياسية POLITICAL LEADERSHIP

القيـــــــــــــــادة
هى عبارة عن دور اجتماعي يقوم به فرد أثناء تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة و يتسم هذا الدور بان ما يقوم به يكون له القوة و القدرة على التأثير في الآخرين و توجيه سلوكهم في سبيل بلوغ هدف الجماعة .. و القيادة شكل من أشكال التفاعل الاجتماعي بين القائد و الأتباع حيث تبرز سمة القيادة و التبعية..القيادة سلوك يقوم به القائد للمساعدة على بلوغ أهداف الجماعة و تحريك الجماعة نحو الأهداف و تحسين التفاعل الاجتماعي بين الأعضاء و الحفاظ على تماسك الجماعة و تيسير الموارد للجماعة.القيادة و الرئاسة : القيادة: تنبع من داخل الجماعة و تظهر تلقائيا غالبا و تكون مسبوقا بعملية تنافس من قبل عدد من أعضاء الجماعة..و الجماعة هى التي تحدد هدفها و ليس القائد و التفاعل الدينامكي بين الأفراد شرط أساسي لظهور القيادة .. و سلطة القائد يخلعها عليه تلقائيا أفراد الجماعة الذي يختارونه كقائد و يصبحون أتباعا له.الرئاسة: تنبع نتيجة النظام المتبع أو الهدف الذي تسعى الجماعة إلى تحقيقه.. و هى تسعى إلى تحقيق هدف الجماعة و لكن لا يوجد تفاعل بينه و ما بين أعضاء الجماعة حيث يحافظ على مكانته بكونه رئيسيا فهو يعتبر وسيلة للسلطة و للسيطرة على الجماعة و دفعها لتحقيق مصالحه .


مفهوم القيادة بين الاندماج والانعزال

محمد جبريقترن مفهوم القيادة في اطار الفهم الشائع بمفهوم كثر تداوله في الادبيات السياسية الا وهو مفهوم الكاريزما التي تتيح الحضور الساحر والمهيمن لشخصية القائد، لان الكاريزما تتيح تكوين قاعدة شعبية تشرعن سلطة القائد
وتمد نفوذه وهيمنته على هذه القاعدة الشعبية.
بيد انه من الخطأ التعامل مع مفهوم الكاريزما بوصفه المفهوم الاوحد في شرعنة السلطة وممارسات القائد، لان المفهوم هو مفهوم سايكولوجي اكثر منه مفهوم واقعي وتبعا فان طبيعته السايكولوجية تفرض نوعا من التفاوت في تقييم القيادة واحيانا تجنح هذه الطبيعة الى اختيارات خاطئة ومجانبة للصواب فالطبيعة السايكولوجية تتاثر بالميول العاطفية والشيوع الذي تفرضه الاكثرية الشعبية، وهذا ما يفرض التصادم الشعبي مع القيادات التي تجترح ممارسات تتضاد مع طبيعة الرغبات الانسانية.
ينشط في اطارهذا الفهم للقيادة تقسيمان ضروريان لشخصية القائد هما القائد الذي تتوافق ممارساته مع طبيعة الميول الشعبية والقائد الذي تتضاد ممارساته مع هذه القواعد، ويندرج في اطار هذا المفهوم او هذا التقسيم الاخير لشخص القائد، المعصومون (ع) ويؤكد صحة هذه الفرضية ان تاريخ حياتهم يكشف عن انتفاء القاعدة الشعبية الحاضنة لاطروحاتهم وسلوكياتهم في رسم المعالم السياسة وبالمقابل فان هنالك احتضان شعبي لسلوكيات المعسكر المناوىء للمعصومين، وذلك مايفسر الفرضية التي ابتنت عليها هذه التقسيمات، فسلوكيات المعصومين وممارساتهم السياسية تنطلق من اطر التعاليم الدينية والاخلاقية وفي الغالب فان ممارسات كهذه شاقة على الطبيعة البشرية في حين ان المعسكر المناوىء يعمل على محاكاة هذه الرغائب التي تتفاعل مع معطيات السلطة الدنيوية التي تتحكم بها الاشباعات العاطفية والبيولوجية والمادية .ان فهم طبيعة الذات البشرية ومحاولة محاكاتها اصبح عاملا مهما في انجاح كثير من المشاريع السياسية حتى وان كانت نواياها سيئة، فالراسمالية مثلا وذلك ما لاحظه مبكرا المفكر الكبير الشهيد محمد باقر الصدر استطاعت التغلب على خصومها من خلال انطلاقها من قاعدة براغماتية اشبعت حاجات الذات البشرية ولذلك فانها كانت تعمل على الاحاطة بالحاجات البيولوجية وايلائها عناية في دائرة اهتمامها.بالتالي فان الطبيعة البراغماتية في المنظومة السياسية ضمن مبدأ المصلحة والغايات التي تبرر الوسائل اصبحت النظرية التي تقدم الحلول السحرية للسياسة المعاصرة وان كانت اسس البراغماتية تضرب بجذورها في عمق التاريخ والذي نشهد تجلياته في السياسة الاموية التي عملت على محاربة المعصومين وابعادهم عن دائرة القرار السياسي وقد استطاعت السياسة النجاح في تكوين اكبر قاعدة شعبية لمحاربة المعصومين وليست واقعة الطف الا اجلى تعبير عن ذلك .رغم ذلك فان الائمة (ع) ظلوا محافظين على القاعدة التي تنطلق من المبادىء الاسلامية الحقة دون ان تستميلهم القاعدة السياسة التي تتساير ضمن ترهينات البراغماتية السياسية وهو ما ضمن لهم الخلود في الوجدان الشعبي الذي استطاع فهم الصلاحية الاخلاقية في ممارسة المعصومين .ان الماساة السياسية دائمة التجدد وابرز تجلياتها في واقعنا المعاصر فازاء هيمنة السياسة البراغماتية هنالك قادة يتبعون خطى الائمة في محاولة ترصين المبادىء الاسلامية والانطلاق من المحددات التي وضعها المعصمون (ع) وفي اطار دعواهم هذه استبعدوا عن دائرة القرار السياسي او انهم ابتعدوا عن المحيط السياسي الذي ينتج وباء انهيار القيم، فالخريطة السياسية برمتها اليوم، يهيمن عليها الانتاج السياسي الامبريالي الذي نشط ضمنه مفهوم العولمة وسياسة الاحتواء التي اصبحت امرا مفروغا منه، ولذلك يبدو الانعزال عن هكذا سياسات خاضعة هو نزوع احتجاجي صارم على واقع هذه السياسات وهو مبدا اجترحه المعصمون عليهم السلام وعبرعنه موقف الغضنفر امام الموحدين الامام علي (ع).بيد ان القاعدة الشعبية تنظر الى مسالة الاعتزال بوصفه موقفا لا اباليا وتراجعيا دون ان تحاول قراءة العمق الاحتجاجي الذين ينطوي عليه هذا الموقف ولذلك فانه اي الموقف كان يؤرق الديكتاوريات التي حاولت جاهدة اخراج القادة المبدايين من عزلتهم لان الساسة يدركون خطر العزلة الخلاقة بوصفها احتجاجا قادرا على الاطاحة بالعروش السياسية لانه ليس الستراتيجية السياسية تعمل بصمت يهدد الضجيج السياسي وجوقه المزمجرة.

القيادة، هي مسؤولية يتحملها فرد من أفراد المجموعة؛ ليسيّر أمورها بشكل جادّ ومنظّم نحو تحقيق قيم مرسومة، وغايات كبرى، وهي ليست مغنماً يتمتع به القائد، ويتلذذ بعبارات الثناء فيه، بل هي ثقل وعناء، يعود على صاحبه بالتبعية، يقول عمر بن عبدالعزيز:(ألا إني لستُ بخيركم، ولكنني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقل حملاً).. والقيادة، هي الجسر الذي يستعمله المسؤولون ليؤثروا في سلوك وتوجيهات المرؤوسين، وليربطوا بين تحقيق أهداف المؤسسة وأهداف الفرد.ومن هنا فالقيادة وظيفة بالغة الأهمية، تقوم على الابتكار والتميز، والقدرة على اتخاذ القرارات الجريئة والشجاعة، وتلتزم بالنظم، وتلزم المجموعة بالعمل بموجبها.وقد عبّر القائد الفرنسي نابليون بونابرت عن أهمية القيادة وبالغ أثرها في تحقيق النصر حين قال: (جيش من الأرانب يقوده أسد، أفضل من جيش أسود يقوده أرنب).ولعل أهمية القيادة تكمن في أمور، نذكر منها:أولاً: القيادة هي صلة الوصل بين العاملين، وبين الخطط التي ترسمها المنظمة، والتصورات المستقبلية التي تهدف إليها.ثانياً: القيادة هي البوتقة التي تنصهر بداخلها كافة المفاهيم والسياسات والاستراتجيات، لتخرج في النهاية بشكلها الإيجابي الفاعل المؤثر، والقائد نحو تحقيق الأهداف والغايات.ثالثاً: تقوم القيادة بدور هامّ في تدعيم القوى الإيجابية في المنظمة، وتقليص الجوانب السلبية بقدر الاستطاعة.رابعاً: تسيطر القيادة على مشكلات العمل العامة، وترسم الخطط اللازمة لحلّها.خامساً: تقوم القيادة على تدريب ورعاية الأفراد الذين يكوّنون العنصر الأهم في المؤسسات والمنظمات، كما أنهم رأس المال الأكبر، والمورد الأغلى، في تحقيق الربح وجلب النجاح.سادساً: القيادة تواكب المتغيرات المحيطة بالعمل، وتوظّفها لخدمة المنظمة، ويعتبر هذا البند من أهم بنود التوصل نحو الهدف.فالقيادة إذن هي ضرورة من ضرورات المجتمع البشري تعمل على تنظيم العلاقات الإنسانية وإقامة العدل، ومنع القويّ من أي يأكل الضعيف، يقول الله تبارك وتعالى: (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) (البقرة: من الآية 251). ومن هنا نصل إلى تعريف موجز ويحمل معاني كبيرة وعميقة للقيادة، فنجد أن القيادة: هي القوة المحركة نحو الهدف.

الرأي العام


نظرية الرأي العام

عقل الجماهير بين التشويه السياسي وانتفاضة الوعي
13/06/2004
أ.د. حامد عبد الماجد قويسي
يمكننا فهم "الرأي العام" كمفهوم اجتماعي يعبر عن تشكل اتجاهات التفكير واتخاذ المواقف والتعبير، وأيضا كمفهوم سياسي يعكس علاقة المجتمع والدولة.
ويمكن فهم الرأي العام من خلال اقترابين:
الأول: تمييز مفهوم "الرأي العام" عن المفاهيم المقاربة والمشابهة والمتداخلة مثل: الميول السياسية، والاتجاه السياسي، الموقف السياسي، الحكم السياسي، الحشد العام. وبالتمييز بين "الرأي العام" و"الاتجاهات أو الميول" و"الفعل السياسي" أو السلوك، والأحكام؛ فالرأي العام يختلف عن الاتجاه والميل؛ ففي حين يكون الأول معلنا ومعبرا عنه نجد أن الثاني استجابة داخلية مبكرة. والرأي دليل على وجود الاتجاه أو الميل، ولكن العكس ليس حتميا؛ فالميل لا يشترط أن يتحول إلى رأي يتم الإفصاح عنه؛ فما يميز الرأي العام عن الرأي الشخصي هو درجة العمق والاستقرار، والتراكم الجمعي، ثم العلانية.
ووصف "العام" يعني أنه يقوم على أساس قضية معينة تخضع للنقاش العقلاني، في حين أن مفهوم الحشد الجماهيري يتميز بوحدة التجربة الوجدانية، لكنها قد تكون ظرفية وعشوائية، أو تكون من جهة أخرى موجهة وغير حرة أو عقلانية؛ كما في نماذج "التعبئة السياسية" في النظم السياسية السلطوية، ويصبح السؤال هو: كيف يمكن ضمان استقلال الرأي العام عبر عملية تشكلٍّ مدنية ترتبط بنمو الحركات الاجتماعية وفاعليتها؟ وعبر توظيف ما تقدمه ثورة الاتصالات والمعلوماتية والاستفادة منها في فهم ما يجري في السياسات العالمية، وأيضا استكشاف كيف يمكن -رغم هذه الإمكانات الاتصالية- أن تفلح دولة ما في خلق نوع من "الحشد الجماهيري" لتأييد العمل العسكري في السياسة الخارجية كأسلوب للتعامل مع الأزمات ولزيادة التأييد السياسي، وزيادة فرص الفوز في الانتخابات، في حين يتسم النظام السياسي بالليبرالية، وهي من تحديات فهم كيفية تطور وتشكل الرأي العام بشكل معقد ومركب.
ويمكن القول: إن المعايير التي يمكن من خلالها التمييز بين "العام" و"الخاص" قد غدت أكثر غموضا وهلامية؛ وأن هناك اتجاها متزايدا نحو "تعميم" الخاص النابع من الحضارة السائدة والمهيمنة؛ بحيث يكون عاما لجميع الثقافات والمجتمعات الأخرى المتميزة عنها والمختلفة معها، ويتزامن هذا مع تفكك العمومية وتشرذم الجماهير لتنوع قنوات الاتصال وتعددها واختلافها.
الثاني: كشف العناصر والمكونات الداخلية فيه؛ فالوحدة التحليلية هي "الأغلبية" بوصفها المجموع العددي أو الرقمي للأفراد المكونين لهذه الأغلبية التي يمكن قياسها والتي تمارس الحكم باسم هذه الأغلبية؛ لكن هناك تقسيمات داخلية للظاهرة على أساس معايير اجتماعية، واقتصادية، ومتغيرات مثل: الريف/ الحضر وأيضا العمر، وفي إطار هذا التركيب هناك مفهوم "قادة الرأي العام" بوصفه إطارا تحليليا متسعا يشمل أولئك الذين في مقدرتهم التأثير في آراء الآخرين أو تغيير رؤيتهم للقضايا المختلفة باعتبارها عملية تتكون من عدة مراحل متواصلة يكمل بعضها البعض الآخر: (المشكلة، والاقتراحات والحلول)، ومراحل تتطور من "الرأي" حتى نصل إلى القرار السياسي الذي هو محط اهتمام التحليلات السياسية باعتباره أرقى أشكال التعبير السياسي الجماهيري.
التطورات المنهجية في مجال دراسة الرأي العام
يمكننا تقسيم التطورات المنهجية في مجال دراسة ظاهرة الرأي العام في عدة مراحل متتابعة؛ فمنذ منتصف القرن التاسع عشر كانت الدراسات فيه "معيارية فلسفية"، ثم انتقلت إلى حقل "النظرية السياسية" مع صعود النظرية الديمقراطية، ومع نهاية القرن تزايد الاهتمام بالتحليل النظمي والطرق الأمبريقية الاختبارية في دراسات الرأي العام، وفي القرن العشرين ركزت دراسات الرأي العام على الجوانب السيكولوجية والاجتماعية أكثر من النواحي السياسية والفلسفية، وتحول الاهتمام إلى وظيفة وقوة في المجتمع، والوسائل التي يمكن بها تعديله أو التحكم فيه، وأهمية العوامل الوجدانية والنفسية في تشكيله؛ وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين عاد الاهتمام مجددا إلى التركيز على الأبعاد السياسية والفلسفية. وفي الواقع الراهن يمكننا عند النظر لدراسات الرأي العام أن نجد موضوعين على درجة من الأهمية:
(أ) عودة الاهتمام والتركيز مجددا على الأبعاد السياسية والفلسفية في دراسات الرأي العام؛ خاصة تلك المتعلقة بالعملية السياسية (كالمشاركة، والتصويت، وعلاقة السلطة الحاكمة بالرأي العام)، وفي هذا الإطار راجعت هذه الدراسات التفرقةَ المستقرة بين خصائص الرأي العام في البلدان المتقدمة وبلدان العالم الثالث المتخلفة؛ في إطار مراجعة وإعادة النظر في مقولات عصر التنوير بصدد عقلانية ورشادة الرأي العام، والاهتمام بخصائص؛ من قبيل: طغيان الأغلبية، القابلية للاستهواء، سيطرة النخبة... إلخ.
(ب) تزايد إسهامات علماء السياسة والنفس والاجتماع خاصة، ورغم أنه كان لهذه العلوم إسهاماتها الواضحة في بناء نظرية الرأي العام خلال النصف الأخير من القرن العشرين، فإن دراسات الرأي العام عادت إلى بؤرة اهتمامات هذه العلوم مرة أخرى. وفهم ظاهرة الرأي العام يستلزم الاستعانة بالعلوم الإنسانية والتي لن تستطيع بدورها تفسير العديد من الظواهر التي تتناولها دون الرجوع إلى عملية الرأي العام ذاتها.
التخصص والمهنية في مجال الإعلام
ولا شك أن الإعلام الجماهيري قد فرض تطورا ضخما على طبيعة الظاهرة الاتصالية، يبرز بشكل واضح في الناحية المهنية التخصصية، فنلاحظ:
أ- الاتجاه إلى التخصص المهني الإعلامي، سواء من حيث الأداة أو من حيث المرحلة التي ينتمي إليها نشاطه في ديناميات عمليات الاتصال؛ (إعداد، صياغة أو نشر الرسالة).
ب- جعل الرقابة أو ضبط العملية الاتصالية في الإعلام الجماهيري مباشرة بواسطة ممثلي المهنة باسم الرقابة الذاتية والتي تعني أن من ينتمي للعملية الاتصالية هو وحده الذي يستطع مزاولة الضبط، وهو ما يتناوله فيما بعد في نظرته لعملية الرقابة والتي سوف نتناولها في النقطة اللاحقة.
ويفترض هذا فهم عملية الاتصال كحقيقة هيكلية، وكذلك في أبعادها الديناميكية المختلفة؛ فالرسالة الاتصالية بمجرد أن تستقل عن مرسلها تملك وجودها الذاتي والهيكلي، لكنها لا تستقل عن الرسالة وظيفيا، وهذا ما نراه بخصوص ظاهرة رد الفعل التي تعني أن الرسالة إذا لم تحقق هدفها بشكل أو بآخر فلا بد أن تعقبها رسالة أخرى واحدة أو أكثر حتى تنتهي بتحقيق الهدف.
وتفترض عملية الاتصال أن هناك عاملا مشتركا من المفاهيم والرموز بين المرسل والمستقبل بحيث أن كلاهما ينتمي -ولو في قسط معين- إلى تقاليد تتحد فيها العناصر والمفاهيم المشتركة، وإن لم توجد هذه الدائرة فلا إمكانية لخلق وتحقيق عملية الاتصال.
وتتنوع أشكال الاتصال؛ فقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المرسل، وقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المستقبل؛ أي له نماذج أربعة (فردي مرسل، فردي مستقبل، جماعي مرسل، جماعي مستقبل).
ومن الناحية الهيكلية الخاصة بتطور العملية الاتصالية نميز بين مراحل مستقلة وهي:
المرحلة الأولى: تتركز حول استعداد صاحب الرسالة لنقل حقيقة أو فكرة أو تصور للجمهور، وبسط مفاهيمها بحيث تحقق الأثر المطلوب. ويسعى المرسل لاكتشاف خير وسيلة وخير أداة تسمح بإرسال الرسالة، ويصوغ الرسالة في لغة قد تأخذ صورة الفعل المادي أو صورة التعبيرات القولية. وبهذا المعنى يصير الاتصال سلوكا؛ فهناك مرسل يلجأ إلى السلوك غير المباشر، وآخر يستخدم ألفاظا صريحة واضحة، وقد يفضل ثالث اللجوء للواقعة أو إلى الإشارة يعبر بها عن مفهومه وأهدافه.
المرحلة الثانية: انطلاق الرسالة؛ فالاتصال ليس حقيقة من جانب واحد بل من جانبين، بمعنى أنه لا يعبر عن رسالة تصدر من مرسل لمستقبلها، وإنما هناك رد فعل من جانب المستقبل يأخذ شكل رسالة أخرى من المستقبل تتجه إلى المرسل، وهذا الذي يسميه العلماء رد الفعل الذي يعني التعقيب على رسالة أولى تعود لنفس المصدر بحيث تتحدد على ضوء العودة مدى نجاح الرسالة الأولى من حيث النتائج وطبيعتها من حيث التفاعل، وهذا يعني نتائج معينة، فبداية الرسالة ليست حقيقة فردية؛ بل هي أساسا حقيقة اجتماعية ونجاحها يتوقف على ذلك. والرسالة يجب أن تقنن، ويجب خضوع فك عملية رموز التقنين، وهذه تتحدد بالحقيقة الاجتماعية؛ بمعنى أن المجتمع هو الذي يعطي لكل رمز في الرسالة معنى أو دلالة معينة، والرسالة بمجرد خروجها وانفصالها عن شخص المرسل فإنها تستقل هيكليا كما أسلفنا.
المرحلة الثالثة: تدرس الأثر المباشر للرسالة أو بعبارة أخرى تحليل عملية الاتصال من الناحية الديناميكية.
الرأي العام والدولة والسياسة
الدولة الحديثة نموذج فريد من نوعه. وهي تعلن أن واجب الدولة هو أن تدع شخصية الفرد تتكون وتتكامل ثقافته بحرية ودون قيود. ورغم ذلك فهي تشعر بأن واجبها أن تضع قنوات ثابتة ومنظمة تسمح لها بأن تشكل الإطار الفكري للمواطن بطريق أو بآخر، ولعل هذه الملاحظة تفسر أهمية تطوير نظرة نقدية للوظيفة الاتصالية في المجتمع المعاصر تنبع من تمكين المجتمع وتفعيل خصائصه.
وجوهر الوظيفة الاتصالية للدولة الحديثة هي عملية تكوين الرأي العام وتشكيله، وذلك بجوانبها المختلفة أو وظائفها الفرعية. ومحورها: تكوين الرأي العام في مجتمع معين لكي يكون صالحا للقيام بأدواره أو وظائفه التي تحددها الدولة، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
ويتطلب فهم أبعاد علاقة الدولة بتشكيل الرأي العام تأسيس نموذج تحليلي لفهم الوظيفة الاتصالية وبيان موضعها من نظرية الدولة الحديثة، وتحليل الوظيفة الاتصالية وتطور العلاقة النفسية بين المواطن والدولة في المجتمع المعاصر، وفهم وسياسة العمل الاتصالي في أدوارها الأربعة كل منها تكمل الأخرى؛ (التكامل القومي، الترابط الحضاري، المساندة في السياسة الخارجية، ممارسة الغزو المعنوي).
والأصل أن تكون الدولة تعبيرا عن المجتمع، وتنبع وظائفها من مفهوم ثابت هو حماية القيم الحضارية. فالدولة أداة الاتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهي تعبير عن الماضي بلغة القيم، وعن الحاضر بلغة المصالح، وعن المستقبل بلغة الاستمرارية والثبات. وإن لم تستطع أن تحقق هذه الوظائف بهذا المعنى، وأن تخلق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة تصير دولة فاقدة شرعيتها حتى وإن استمرت بسلطة البطش والهيمنة في الواقع.
والتمييز بين الوظائف الأصلية والوظائف التابعة يجعل من فكرة الجزاء المدني والدنيوي أداة تسمح بحماية الوظائف الأصلية التي تدور حول احترام نظام القيم السائد في المجتمع السياسي، ونقله من لغة المثاليات إلى لغة الواقع ولو بنسبة معينة تفرضها طبيعة التطور والصعوبات المختلفة التي لا بد أن تواجهها الجماعة، والأداة الحاكمة في مرحلة من مراحل تطورها.
الوظيفة الاتصالية بهذا المعنى تصير إحدى الوظائف الأصلية التي تفرض على الدولة ألا تقف من المجتمع السياسي الذي تمثله، ومن المواطن الذي تسعى إلى سعادته، والأسرة الدولية التي تتعامل معها موقف السلبية وعدم الاهتمام.
وتتضح أهمية الدور الإعلامي للدولة عبر صنع حد أدنى من الترابط؛ بحيث إن جميع عناصر الجسد السياسي تشعر بأنها -بخصوص ذلك الحد الأدنى- تمثل قوة واحدة وكيانا واحدا، وتمكين الترابط الحضاري؛ فالدولة هي حقيقة حضارية، وبهذا المعنى تتحرك في النطاق الداخلي والنطاق الإقليمي والنطاق الدولي، والوظيفة الحضارية تنبع منها وظائف أخرى، وعلى وجه التحديد الوظيفة الثقافية السياسية. ويلعب الإعلام -أيضا- دورا في صنع مساندة للسياسة الخارجية.
ولا شك أن الدولة تستطيع أيضا توظيف آلة الإعلام في مواجهة القوى الخارجية، فترتفع الوظيفة الاتصالية إلى مستوى الغزو النفسي؛ حيث يصير الهدف من الاتصال ليس مجرد الإقناع والاقتناع وإنما تحطيم الخصم نفسيا وفكريا، أو على الأقل تشويه الصورة القومية لذلك الخصم. والغزو الاتصالي قد يتجه إلى الصديق وقد يتجه إلى العدو، ولكنه دائما يقوم على أساس تحسين صورة الذات وتشتيت صورة الآخر، والتلاعب بالحقيقة. والاتصال قد يصبح في تلك اللحظة عملية مدمرة تتجه أساسا إلى العالم الخارجي وتصير محورا لتعامل يفترض السعي نحو استئصال الوجود المعنوي بشكل أو بآخر.
الاتصال بهذا المعنى يصير مرادفا لفكرة الحرب النفسية؛ حيث هناك مواجهة عنيفة بين خصمين. ورغم أنه قد يتجه إلى الصديق بقصد تشويه صورة عدو لدى ذلك الصديق، إلا أن فكرة الصراع المعنوي تظل ثابتة في كلا التطبيقين. على أن الأعوام الأخيرة قدمت لنا نموذجا آخر اتفق الفقه على التعبير عنه باصطلاح "التسمم السياسي"؛ حيث الاتصال النقي يخفي في حقيقة الأمر هدفا ثابتا وهو تحطيم التكامل القومي من منطلق إعادة توزيع نظام القيم. والدولة التي تلجأ إلى حقن مجتمع معين بقيم غريبة عليه أو تضخيم قيم تابعة وثانوية ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، هي في حقيقة الأمر تقوم بعملية إعادة تشكيل القيم ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، الأمر الذي لا بد وأن يؤدي إلى خلق نوع من التفتت، كما سنرى فيما بعد.
فمكونات الوظيفة للدولة الاتصالية هي الخمسة التالية: الوظيفة الإعلامية، والوظيفة الثقافية، والوظيفة الدعائية، والوظيفة العقدية، والوظيفة الحضارية، وذلك على النحو التالي:
1- الوظيفة الإعلامية: تتجه إلى المواطنين، مفترضة أن لهم الحق في أن يكونوا على علم بالحد الأدنى من المعلومات عن الأحداث والوقائع التي تشهدها الحياة اليومية في مجتمعهم، وهو ما يعرف أحيانا في بعض الأدبيات بحق الاتصال والذي يعني الإنباء أو الإخبار بما يقع من الأحداث وما يثور من القضايا، من خلال استخدام اللغة والخطاب بالدرجة التي تحقق الصدقية، وتقود إلى الترابط بين السلطة الحاكمة والمجتمع المحكوم، ويُدْعم بالتالي من المثالية السياسية السائدة. وقد شاع استخدام مفهوم إعلام السلطة -والذي يعني التوظيف السياسي للإعلام- في تشكيل الرأي العام بما يدعم سياسات الأنظمة السياسية ومواقفها واختياراتها، وأحيانا للتعبئة وحشد التأييد والمساندة لها، وبالذات في أوقات الأزمات السياسية الحادة. كما أن إعلام السلطة هو أحد الأدوات المهمة في عملية صناعة السلطة ذاتها، وتكريس أوضاع القائمين عليها ومصالحهم من خلال المسلك الدعائي، ويُعَد إعلام السلطة انحرافا عن ممارسة الأدوار الإعلامية الحقيقية إلى ممارسة الأدوار الدعائية.
والواقع أن قيام السلطة السياسية بإمداد الرأي العام في المجتمع بالبيانات والمعلومات حول الأحداث والوقائع التي يعيشها ويمر بها يسهم في تنويره وإحاطته علما بتلك الأحداث والوقائع، ويساعده على تكوين إدراكاته، وتصوراته عنها، وبالتالي تكوين وعيه الذاتي بها. وتتفاوت الأنظمة الإعلامية في مختلف البلدان في قيامها بهذه الوظيفة، وهي بهذا تكون النقطة الأولى في عملية تشكيل الرأي العام.
2- الوظيفة الثقافية: تتحرك الدولة في ممارسة الوظيفة الثقافية في مسارين أو اتجاهين أساسيين:
الأول: داخلي، ويتم من خلاله التثقيف السياسي باعتباره يدور حول عملية تحقيق الاندماج أو على الأقل التوافق المجتمعي، أو توحيد الإدراك المجتمعي إزاء قضايا الوجود السياسي الأساسية في المجتمع في مرحلة زمنية طويلة نسبيا.
الثاني: خارجي، ويتحرك لمساندة السياسة الخارجية؛ فالأدوار الثقافية للمراكز الثقافية والعلمية والجامعات والبعثات التعليمية، وكافة أشكال التواجد الثقافيتدعم -ولو بشكل غير مباشر- السياسية الخارجية للدولة.
والواقع أن قيام الدولة -من خلال الأدوات التي تهيمن وتسيطر عليها- بتكوين مدركات عامة منسقة أو موحدة حول مجموعة من القضايا والموضوعات التي تدور حول طبيعة المجتمع الذي تحكمه، وحول كليات الوجود السياسي؛ بحيث يمتلك المجتمع حدًّا أدنى من الاتفاق أو الإجماع القومي حول الموضوعات الأساسية التي تشكل جوهر وجوده السياسي، وبالتالي يكون قادرا على تقديم الاستجابات السليمة على التحديات التي تواجهه. إن توافر هذا الحد الأدنى من الإجماع الوطني يقدم مساندة حقيقية للسياسة داخليا وخارجيا من ناحية، ويهيئ أرضية صلبة لأداء الدور الحضاري من ناحية أخرى.
3- الوظيفة الحضارية: تتحدد هذه الوظيفة بإيجاد حد أدنى من الإجماع الوطني بصدد القضايا الأساسية المتعلقة بوجود مجتمع معين ونمط حياته، وبإيمان المجتمع بأن له رسالة معينة، ووظيفة محددة ذات منطلقات معنوية في مجال التعامل الخارجي، تلك التي تفسر الانطلاق من رسالة فكرية والتبشير بها في المجتمع الخارجي، ويفرق بين مجتمع يمتلك مقومات هذا الأمر ومجتمعات تسعى لصناعته وتدعي ملكيته.
4- الوظيفة العقدية: تعبير عصري عن مفهوم قديم؛ فالدولة ذات مثالية معينة، دينية أو أيديولوجية، تسعى إلى صبغ عملية التطور السياسي بها، بحيث تكون هي أداة تطبيقها وإنجازها داخليا وخارجيا. وهذه الوظيفة من أهم الوظائف المعبرة عن الوجود المعنوي للدولة. فالوظيفة العقدية محور وظيفة الدولة داخليا، وهي تقود عملية التطوير السياسي لمجتمعها فتجعل من هذا التطور أداة أو عملية لتطبيق أو إنجاز مثالية أو عقيدة سياسية معينة محددة ومفرغة في برنامج أو خطة محددة، تتبناها وتقيم مجتمعها بكافة نظمه وأنساقه عليها، ومن هنا تقوم بعملية تكوين حقيقية للرأي العام.
5- الوظيفة الدعائية: وهي تتم حين تتجه الدولة بتطبيقات أدوارها للخارج من خلال تطبيقين؛ القضاء على الخصم بأسلوب الحرب النفسية، وعملية التسميم السياسي. فالدولة تتجه إلى الرأي العام الخارجي وقد تركت قيمة الصدق ومثالية الدعوة، واتجهت إلى منطق التضليل والدعاية؛ لتقوم بعملية تشكيله على أوسع مدى.
الرأي العام بين دعم الشرعية وتزييف الوعي
وتدور عملية صناعة الرأي العام سياسيا بين قطبين؛ هما: الدعاية السياسية والرقابة السياسية، وإذا كنا قد تعرضنا فيما سبق للقطب الأول، فإننا يمكن أن نتعرض بإيجاز للرقابة السياسية بوصفها القطب الثاني.
وتعني الرقابة الإعلامية: إجراء ضد الحرية الإعلامية والاتصالية. وهكذا استقرت في المفاهيم التقليدية صورة أساسها أن كل نظام سياسي يقف من الرقابة الإعلامية موقف التأييد هو ديكتاتوري. فمظهر الديمقراطية هو اختفاء الرقابة الإعلامية. والرقابة بهذا المعنى هي أداة من أدوات ضبط الحرية الإعلامية تستخدمها الجماعة ضد المواطن، وتأخذ صورة منظمة تتم عادة ضد منبع أو مصدر السلوك الاتصالي.
وتعبر الرقابة عن مفهوم آخر؛ حيث يصير أداة ضد السلطة ووسيلة لضبط من يمارس السلطة. وكلمة رقابة مرادفة للاصطلاحين: الأول censorship والثاني control، الأول يمكن ترجمته بالرقابة الإعلامية، والثاني يجب ألا يفهم على أنه رقابة سياسية أو بعبارة أدق رقابة على السلطة الحاكمة.
وتفترض عملية الضبط -كعملية متكاملة- ست طبقات متتابعة من الضبط المتتالي للسلوك الفردي:
أ- ضبط ذاتي يدور في المنطق الفردي ويتحكم في تصور الموقف وتحديد رد الفعل، وبالتالي صورة السلوك وأبعاده.
ب- الرقابة الحضارية التي تمثل إطارا يقود الفرد في تفكيره لأن يتحكم في سلوكه فيقيده بإطار التقنيات الأخلاقية المتعارف عليها.
ج- الرقابة غير المنظمة للجماعات الفرعية التي لها أسلوب معين في فهم القيم وتطبيقها.
د- المناخ الاجتماعي العام المرتبط بالآراء والأفكار السائدة في الأغلبية الجماهيرية.
و- الرقابة القانونية المنظمة؛ حيث توجد الأداة التي تتولى وضع القواعد واستخدام السلطات في توقيع الجزاء إزاء السلوك المخالف لهذه القواعد.
ولا شك أن التقدم الرهيب في وسائل الاتصال جعل الرقابة في أغلب الأحيان بمدلولها التقليدي نظام لا فاعلية له. والمفهوم التقليدي يقوم على أن الرقابة ذات طبيعة نظامية؛ أي هيئة مستقلة عن الجهاز الإعلامي تتبع السلطة الحكومية وتتولى فحص موضوع الرسالة وتقييمها، أو تحديد ما يشاهده الناس ويسمعونه ويقرءونه، وهذا النظام صار غير مجدٍ بسبب تقدم أدوات الاتصال، مما جعل إمكانية الضبط بهذا المعنى التقليدي عملية تكاد تكون مستحيلة في كثير من الأحيان، ومرهقة وخالقة للتعقيدات أحيانا أخرى، وهي مستحيلة للإعلام المسموع، وسيأتي يوم تستحيل للإعلام المرئي أيضا.
إزاء ذلك تظهر مفاهيم جديدة لظاهرة الرقابة تبدو حذرة، ولكنها تثور بثبات وصلابة. ومحور فكرة الرقابة الآن الرقابة الذاتية؛ بمعنى الرقابة المهنية، ورغم عدم وضوح الأصول الأيديولوجية لها فإنها تدور حول ترك الرقابة للمهنة التي ينتمي إليها رجل الاتصال، وتمكين الرأي العام ليمارس سلطة ودورًا وتأثيرًا قويًّا في المقابل على السياسة الإعلامية وأطرها العامة.
الرأي العام والصراع العربي الإسرائيلي
لا شك أن هناك حربا إعلامية تتوازى مع الصراع العسكري على فلسطين، فصورة الذات والتاريخ التي تحاول إسرائيل ترويجها لخلق رأي عام متعاطف، تقابلها صورة حقيقية تنقلها وسائل الإعلام لزيف إدعاءات الديمقراطية والشرعية الصهيونية.
من جانبها تسعى إسرائيل لتطبيع العقل العربي مع وجودها الاستيطاني، وإعادة تطويع الشخصية الوطنية والقومية والإسلامية عبر تغيير الطابع القومي وغسيل المخ الجماعي. ويذكر الدكتور حامد ربيع في نظريته عن "التسميم السياسي" أن من أهم جوانب الوظيفة الاتصالية للدولة العبرية ما يسمى بإعادة تشكيل أو تطويع الطابع القومي للشعوب العربية، وإزالة الفروق والحدود لتصبح جزءا من شرق أوسط كبير أو صغير، وفي الوقت ذاته تؤكد في مشروعها السياسي على يهودية الدولة، وترفض حتى أطروحات مواطنة متساوية وصوت واحد لكل مواطن دون تمييز.
فالدعاية للطابع القومي اليهودي تسير في أكثر من اتجاه يعكس طبيعة التصور الحاكم والقيادة السياسية للنموذج الصهيوني الذي يسير عليه المجتمع الإسرائيلي، وهو نموذج يتصف بالعنف والسلوك الاستفزازي والصفات القيادية والتعصب، والإيمان بوظيفة تاريخية. وما نشاهده هذه الأيام في ممارسات السياسة الخارجية للكيان الصهيوني يؤكد ذلك.
الواقع أن ذلك غدا معلنا بوضوح من قبل الإدارة الأمريكية الحالية في تعاملها مع المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، وإن كان يتم دون إعلان في أجزاء كثيرة من العالم العربي والإسلامي دون ضجة أو إعلان منذ قرابة ربع قرن على الأقل. والخطاب السياسي للقيادة الأمريكية هو خطاب يؤكد الحاجة إلى تغيير البناء الثقافي والحضاري والعقدي للعرب، وإعادة رسم خرائط المنطقة، وهو ليس بمستغرب على عقلية استيطانية أمريكية تدعم مشروعا استيطانيا صهيونيا لأسباب عقدية وأيضا اقتصادية.
وإذا كان التسميم السياسي الإسرائيلي والأمريكي قد نجح في طبقات الحكام وقطاعات من النخبة المثقفة، فلا بد أن يوجد من يبرهن على أن الأمة العربية والإسلامية عصية على التطويع، وأن من يراهنون على اختفائها حضاريا سيفشل؛ بل سيكون عدوانهم محدثا رجفة ويقظة في الجسد الذي استرخى وقد تكاثرت عليه الطعان، وأن في قيادات الأمة الثقافية والفكرية جنودًا في كتيبة جيش التحرير الفكري.
** أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة - مصر

مفهوم الرأي العام الإلكتروني
محمد خليل

التعريف الاسمي للرأي العام الإلكتروني:
(ارتأَى) الشيءَ: أبصره. ويقال: ارتأَى في الأمر. وارتأَى رأيا في الأمر. (الرأْيُ): الاعتقادُ. و- العقلُ. و- التدبيرُ . و- النظرُ والتأمل، ويقال: رأيته رَأْيَ العين: حيث يقع عليه البصر. والرأْي عند (الأصوليين): استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة. وعلى هذا الأساس فالرأي العام هو ذلك الرأي الذي يعبر عن أكبر شريحة ممكنة من الجماهير يمكنها التعبير عن نفسها في ضوء معطيات معينة.
وبالقياس يمكن توصيف تعريف للرأي العام الإلكتروني بأنه ذلك الرأي الذي يعبر عن أكبر شريحة ممكنة من الجماهير في هذا الفضاء الواسع على شبكة الإنترنت.
والرأي العام الإلكتروني في هذا العالم المتخيل هو كل (فكرة - اقتراح - رأي – مشاركة) أو حتى لفظ اعتراض غاضب أو نكتة تعبر عن توجه معين أو تدافع عن أيدلوجية بعينها أو تنبع من تجربة شخصية سواء فردية أو جماعية لتصل إلى نتيجة سياسية عامة يتم توصيلها كرسالة اتصالية من خلال تلك الشبكة (الإنترنت)؛ لتأخذ دورها في المشاهدة والاطلاع من قِبَل كل من يملك أو يستطيع استخدام تلك الخدمة، والاطلاع في الوقت نفسه على تلك القنوات التي يستخدمها الآخرون ليتكون ما نعرفه بـ"الرأي الإلكتروني". وفي هذه الحالة فالرأي الإلكتروني يعبر عن كل الشرائح التي تملك تلك الوسيلة أو الأداة التكنولوجية للتعبير والتواصل والنقاش. ولو عبرنا عن ذلك بالرقميات فإنه يوجد لدينا في مصر ما لا يقل عن 2 مليون مستخدم لشبكة الإنترنت.
ويرتبط تكوين الرأي العام الإلكتروني بمتغيرين أساسيين:
1- مستوى التعليم.
2- تواجد شبكة للاتصالات وخدمات الإنترنت المتوفرة.
ويرتبط بالمتغير الأول عدد من المتغيرات الفرعية؛ مثل عدد المدارس والجامعات والمعاهد العلمية، ومدى توفر ثقافة الإنترنت من خلالها، ومستوى التعليم. أما المتغير الثاني فيرتبط بعدد خطوط التليفون ومدى قوة الشبكة الموجودة، إلى جانب عدد الشركات التي تقدم هذا النوع من الخدمة، وكذلك مقاهي الإنترنت أو بصفة عامة الأماكن المتاحة للجماهير التي تقدم مثل هذا النوع من الخدمة (الإتاحة - المجانية - السرعة).
وهذا يقودنا إلى سؤال يتوازى مع نظرية الرأي العام التقليدية: فإذا كان هناك سيطرة للدولة على أدوات الرأي العام في المجتمع الحديث، فمن يملك الإنترنت أو يمارس سلطة بديلة أو موازية لما اعتدنا عليه من تحليل في النظرية التقليدية؟
لا أحد في الوقت الراهن "يملك" الإنترنت. صحيح أنه يمكن القول بأن الحكومة الأمريكية ممثلة في وزارة الدفاع ثم المؤسسة القومية للعلوم هي المالك الوحيد للشبكة قانونيا، ولكن بعد تطور الشبكة ونموها لم يَعُد هناك مالك لها، واختفى مفهوم التملك ليحل محله ما أصبح يسمى بمجتمع الإنترنت، كما أن تمويل الشبكة تحوَّل من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص. ومن هنا ولدت عدة شبكات إقليمية ذات صبغة تجارية؛ حيث يمكن الاستفادة من خدماتها مقابل اشتراك. ولا ينفي هذا أن هناك سلطة على الإنترنت، فيمكن للملاك القانونيين إغلاق مواقع لأسباب قانونية، وأحيانا سياسية. ولا شك أن الرقابة على الإنترنت قائمة، إما بشكل هيكلي عبر التحكم في البنية التحتية واحتكار بعض المعارف وعدم قدرة أي أحد على الوصول إلى الشبكة ما لم يكن هناك بنية تحتية أساسية تتيح الكهرباء والوصلات، وهو ما لا يتوافر في الكثير من دول العالم الثالث، ويعرف بالانقسام الرقمي وأحيانا بالتفرقة العنصرية الرقمية.
توسع الشبكة: يقدر عدد المستخدمين الجدد بـ(2) مليون شهريا؛ أي ما يعني انضمام (46) مستخدما جديدا للشبكة في كل دقيقة.
وفي استطلاع أجرته شبكة (NUA) الأمريكية قدر عدد مستخدمي الشبكة عالميا بحوالي (134) مليون مستخدم في العام 1998 (نتوقع أن يكون قد تزايد)، وتصدرت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا الصدارة من حيث عدد المستخدمين الذي بلغ (70) مليون مستخدم.
وفي تقرير صدر بتاريخ 26 أكتوبر 2000 تم التنبؤ بأن عدد المستخدمين للشبكة عام 2005 سيصل إلى حوالي (245) مليون مستخدم، وأن غالبية هذه الزيادة ستكون من خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أوضح مسح ميداني أجري بتاريخ 6 نوفمبر 2000 على (2500) مستخدم للإنترنت في كلٍّ من أمريكا وبريطانيا وألمانيا وأستراليا وفرنسا أن متوسط استخدام الإنترنت (4.2) ساعات أسبوعيا في أمريكا و(3.2) ساعات في أوربا و(3.6) ساعات في أستراليا. وأن (44٪) من مستخدمي الشبكة في أمريكا يتصلون بها من منازلهم مقابل (38٪) في أستراليا و(31٪) في بريطانيا وألمانيا، في حين تبلغ النسبة في فرنسا 16%.([ 1])
وتوجد عدة وسائل وقنوات للتواصل من خلال الإنترنت:
1- البريد الإلكتروني (E Mail): يمكن الحصول على بريد إلكتروني مجانا أو برسوم مالية بسهولة من خلال الكثير من المواقع على الإنترنت، مما يمكننا من التواصل مع الآخرين بمجرد معرفة البريد الإلكتروني، ويتم التواصل برسائل نصية وصور، وكذلك ملفات صوت وفيديو.
2- المجموعات (Groups): وهي منتشرة على الإنترنت، والاشتراك بها مجاني أيضا ويتم من خلال البريد الإلكتروني. والمجموعات تعبر عن فئة معينة لها نفس الاهتمامات، أو تشترك في صفة خاصة، فتوجد مجموعة (مرضى السكر - محبي فلسطين - مشجعي فريق كرة - محبي فنان أو لاعب)، كما توجد مجموعات ذات اهتمامات فكرية وعلمية وأخلاقية ودينية، وأيضا مجموعات ذات توجهات عنصرية ولا أخلاقية، وهكذا...
3- المنتديات وساحات الحوار: وهي بدورها منتشرة في كثير من المواقع، والاشتراك بها أيضا مجاني، ويمكن من خلالها التواصل والحوار والنقاش في كثير من القضايا، إلى جانب غرف الدردشة (chatting)، وغير ذلك من البرامج المخصصة لهذا الغرض؛ ومنها برنامج (Mirc)، وبالتوك (Paltalk).
ومن خلال هذه الوسائل تتم عملية النقاش وتبادل الآراء والأخبار والصور والرسائل الصوتية وملفات الفيديو، والتعرف على المواقع المختلفة على شبكة الإنترنت الواسعة، والتي تنقسم من حيث التصنيف إلى (مواقع شخصية - مواقع تنتمي إلى مؤسسات - مواقع حكومية). وكذلك تتم عمليات استطلاع الآراء ونشر رسائل الاحتجاج، وجمع التوقيعات، إلى غير ذلك من وسائل متاحة الاستخدام من خلال تلك الشبكة.
وجدير بالذكر هنا أن موقع "إسلام أون لاين.نت" يأتي في المركز الثاني للمواقع العربية من حيث أعلى معدلات الدخول حسب تقرير موقع ألكسا (وقت كتابة التقرير) (http://www.alexa.com/) -وهو موقع يختص بتسجيل ورصد معدلات الدخول للمواقع على مستوى العالم، وعمل إحصائيات عنها- بعد قناة الجزيرة القطرية. ويمكن الاطلاع على التقرير كاملا على هذا الرابط ( http://www.alexa.com/site/ds/top_sites?ts_mode=lang&lang=ar).
ومن هنا يمكن الاعتماد على هذه المواقع في التعرف على الرأي العام الإلكتروني لجماهير هذه الشريحة من خلال التقارير والاستطلاعات التي تنبثق من نشاط هذه المواقع.
تأثيره
رغم أن نشاط هذه الشريحة من الجماهير التي تمثل الرأي العام الإلكتروني ينحصر داخل هذا العالم التخيلي، فالأمر لا يتعدى وسيلة جيدة للتواصل والنقاش وتبادل الآراء أو لعمليات التثقيف ونشر الوعي ووسيلة من وسائل نشر مبادئ العولمة ومناهضتها وتحديها في الوقت نفسه، إلى غير ذلك مما يمكن أن نسميه "معارك الأدلجة"، كلٌّ حسب رؤيته ومصالحه وأهدافه. إلا أن الأمر تعدى مؤخرا ذلك الواقع التخيلي بتحول الشبكة إلى ساحة للفعل المدني والتعبوي في أرض الواقع من خلال التشبيك بين الناشطين والتنسيق بينهم، والمثال الواضح على ذلك المظاهرات التي تم تنظيمها ضد الحرب على العراق 15 فبراير 2003 في 80 مدينة كبرى في نفس الوقت، وكذلك المقاطعة للسلع وللدول، التي يتم الدعوة لها من خلال مواقع الإنترنت والتي تؤثر على السلوك الاستهلاكي اليومي، وبطبيعة الحال ينتشر التفاعل من تلك الشريحة الناشطة إلى غيرها من شرائح المجتمع التي قد لا تسمح لها ظروفها بدخول هذا العالم التخيلي -شبكة الإنترنت-، وهذا يؤدي بدوره إلى انتشار أثر الإنترنت إلى أرض الواقع.
مدى مصداقيته
ونختتم بالسؤال الأخير؛ ما مدى مصداقية الرأي الإلكتروني، وهل يعبر بصدق عن فئات بعينها ويمكن قياسه بشكل دقيق؟ ولكي تكون الإجابة عملية يمكن الاستعانة بتقارير ساحة الحوار العربي لموقع "إسلام أون لاين.نت" عن ملف تم تنفيذه عن القضية العراقية على الإنترنت، واتضح مدى تفاعل الجماهير من مستخدمي الموقع مع القضية العراقية في الفترة من مارس إلى إبريل 2003؛ حيث يتوافق 20 مارس مع بدء الاحتلال العسكري للعراق و9 إبريل مع سقوط العاصمة العراقية بغداد، هذا من ناحية، ومن ناحية تمت عملية الرصد أيضا عن طريق تصنيف الاهتمام، وجاء التفاعل الإنساني مع الشعب العراقي في مقدمة المشاركات، يليها تصفح أخبار المقاومة وأخبار العمليات العسكرية.
وتتمثل قوة الرأي العام الإلكتروني في أنه يمتلك جناحين ويحلق أينما شاء ودون رقابة أو سلطان، ويمكن من خلاله فتح الباب للجميع لحوار هادف خلاق، والسؤال الذي يحتاج الآن للإجابة من الجميع وخاصة القائمين على هذا الأمر هو: كيف يمكن توظيف هذه النقلة التاريخية النوعية في مجال المعلوماتية في مساعي النهضة والتجديد الحضاري للوصول في النهاية إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ حتى لا يتحول الإنترنت من وسيلة للانعتاق ندعو لتوظيفها بقوة بالمعرفة والتواصل مع أطراف وبقاع العالم إلى سجن للعقل في مربع الآلة الاتصالية، وهدر للوقت، وعزوف عن الفعل الاجتماعي المباشر، ومصادرة للفاعلية الحقيقية التي تنفع المجتمع وتطوره وتنهض به، فالأصل هو الإصلاح ونفع الناس رغم كل الاختلافات والتوحد لصالح البشرية وإقرار العدل والكرامة للجميع من خلال عملية التثقيف ونشر الوعي الصحيح، سواء من خلال الإنترنت أو خارجه.
باحث فلسطيني
(1) أبو الحجاج، أسامة – (دليلك الشخصي إلى عالم الإنترنت)، نهضة مصر - القاهرة - 1998
- السيد، سمير – (محاضرات في شبكة المعلومات العالمية)، مكتبة عين شمس - القاهرة - 1997

الاثنين، 16 مارس 2009

Qu'est-ce que la sociologie politique


La sociologie politique est la fille incestueuse de l'histoire et du droit. Cette origine malheureuse la marque encore profondément et entrave son développement. La double tradition, historique et juridique, domine toujours notre discipline et empêche de la rattacher à la sociologie, où elle trouve pourtant sa place naturelle.
L'analyse des faits politiques a d'abord été menée dans une perspective historique. Et plus précisément dans le cadre de la petite histoire, celle des grands hommes. L'histoire anecdotique, événementielle, a persisté dans le domaine politique bien après qu'elle fut abandonnée par les historiens eux-mêmes. L'école des Annales de Marc Bloch et de Lucien Febvre s'est imposée depuis les années 1930 à la Sorbonne. La vision globale des phénomènes historiques, rattachés à leur contexte géographique, économique et social, a réduit la narration des batailles et des crises à leur juste mesure. Mais cet effort considérable de l'école historique française est resté longtemps cantonné aux facultés de lettres. Ailleurs, on enseignait toujours l'événement politique, détaché de ses fondements. Et encore, lorsqu'on l'enseignait !
Car la science politique n'était rattachée à aucun cadre institutionnel. L'École libre des sciences politiques, rue Saint-Guillaume, étudiait les phénomènes politiques. Le pluriel "sciences politiques" était cependant révélateur. La politique était le carrefour d'un ensemble de disciplines diverses qui y étaient enseignées :histoire politique et diplomatique, géographie humaine, droit constitutionnel, etc. Les Instituts d'études politiques et la Fondation nationale des sciences politiques, qui en ont pris le relais après 1945, sont restés fidèles à cette vision pluraliste : les sciences politiques additionnées permettent seules l'appréhension de la politique. Quant à la sociologie, dernière venue des sciences humaines, elle ne se préoccupait guère des phénomènes politiques. Cherchant à se définir, elle hésitait entre une conception totalisante des phénomènes sociaux, illustrée par les travaux d'un Gurvitch, et l'éparpillement en disciplines techniques limitées à l'étude de groupes particuliers ou restreints : sociologie de la famille, de la religion, du monde rural.
Ce sont les facultés de droit qui, les premières, ont offert une place à l'enseignement de la sociologie politique. L'enseignement du droit public, et particulièrement du droit constitutionnel, se concevait mal s'il restait détaché de la vie politique. Deux grands publicistes, qui dominèrent la discipline du droit public au début de ce siècle, avaient été impressionnés par la richesse virtuelle de la contribution de la sociologie au droit public. Léon Duguit, disciple de
Durkheim et de Lucien Lévy-Bruhl, en reprit les enseignements essentiels. Maurice Hauriou, influencé par Tarde et par Bergson, fit de son côté la part de la sociologie dans son oeuvre. Georges Scelle, Gabriel Lebras, Henri Lévy-Bruhl continuèrent cette tradition.
Entre-temps, la science politique était développée aux Etats-Unis, soit dans les départements de sociologie, soit dans les départements de " gouvernement " des universités américaines. Maurice Duverger importa cet acquis scientifique en France et appliqua aux Partis politiques (1951) les méthodes d'analyse dégagées aux Etats-Unis. La conception de l'enseignement du droit constitutionnel allait se transformer par cet apport. La description des mécanismes institutionnels était désormais complétée par celle des partis politiques et des groupes de pression qui les animaient.
Placée sous la tutelle et comme en annexe du droit constitutionnel, la sociologie politique se limitait à ce cadre. Ce rattachement enrichissait sans doute le droit, mais il appauvrissait par là même la sociologie politique. A la description des institutions normatives s'ajoutait celle des associations politiques. On restait dans le descriptif. L'étape était indispensable, le progrès considérable. Il fallait pourtant dépasser cette phase néoinstitutionnelle dans la recherche et dans l'enseignement.
Car la politique est d'abord une activité sociale. Le fait politique est un fait social. La sociologie politique est d'abord une sociologie. La méconnaissance de ces évidences explique certaines des faiblesses théoriques et pratiques de la sociologie politique contemporaine. Cet enseignement d'amateurs reste trop souvent une science mondaine. Gaston Bachelard, dans quelques pages terribles
1, évoque les mondanités de la science du XVIIIe siècle. Les expériences de salon faisaient la joie de l'honnête homme et les mathématiques minaudées enchantaient M e du Châtelet. Il faut attendre la science ennuyeuse de Coulomb pour trouver les premières lois de l'électricité. L'état présent de la sociologie politique ressemble curieusement à cette description. Les subtils commentaires sur des sondages approximatifs ou la découverte émerveillée des modèles et systèmes cybernétiques inspirés de l'ordinateur permettent un discours brillant, mais très éloigné de la vraie science. Le caractère préscientifique de notre discipline doit nous inciter à cette rigueur ennuyeuse qu'évoque Bachelard. Sans trop d'illusions, car la sociologie politique n'est pas encore une discipline constituée, ni dans son objet, ni dans ses méthodes. Et une science ne s'invente pas.
Ces quelques considérations doivent dicter notre attitude initiale à l'égard de la sociologie politique. Il faut d'abord nous méfier du discours idéologique et n'accepter aucune conclusion qui ne s'insère dans un cadre épistémologique et méthodologique rigoureux. Il faut ensuite affirmer la nécessité d'une rupture scientifique avec la discipline, telle qu'elle est constituée aujourd'hui. C'est à travers le refus du présent et du passé qu'il porte Bachelard le montre clairement que l'on peut espérer progresser. Sans doute, il ne s'agit pas de tout remettre en cause. Cet ouvrage d'initiation n'a pas l'ambition de constituer une aventure scientifique. Il s'agit, plus modestement, de vérifier les bases épistémologiques de quelques-unes des innombrables théories qui encombrent le champ de la sociologie politique. Ce travail d'inventaire critique n'est pas aisé, car l'idéologie se pare volontiers des couleurs chatoyantes de la technique la plus sophistiquée. Il reste indispensable et laisse prévoir, dans les années qui viennent, une rupture scientifique en sociologie politique. La science progresse ainsi.
Les difficultés de l'entreprise, nous les rencontrons dès l'abord, avec la définition de l'objet de notre discipline. Qu'est-ce que la sociologie politique ? L'adjectif politique est ambigu. L'imprécision du concept permet toutes les interprétations et a suscité un grand débat. Le substantif sociologie, moins discuté, implique pourtant des conséquences fondamentales que l'on oublie trop souvent. Commençons par le grand débat sur la notion de politique. Nous verrons ensuite comment on peut en concevoir l'analyse sociologique.

1. La notion de politique

Littré donne huit définitions du mot politique. Le utilisé aussi bien dans un sens noble (" la politique pluridisciplinaire de l'université de Paris I ") qu'avec une acception péjorative ( " Moi, monsieur, je ne fais pas de politique! "). On parle indifféremment de la politique étrangère de la Ve République, de la politique d'investissements d'une entreprise, du monde politique ou de la finesse de telle analyse politique. C'est dire que le sens commun ne nous aide guère à délimiter le domaine de notre recherche. Mais cette incertitude générale rejaillit sur les tentatives de définition plus rigoureuse du politique. On peut les regrouper autour de deux notions : l'état, le pouvoir. Nous verrons après ce premier survol quelle définition provisoire pourra nous aider. .

I. Le politique n'est pas l'Etat

Définir le politique par l'état, c'est rester dans le droit fil d'Aristote qui considère la polis comme la société principale, qui renferme en soi toutes les autres et se propose le plus grand avantage possible. Ce critère organique du politique a été singulièrement conforté par l'apparition à l'issue du Moyen Age, puis le renforcement au XIXe siècle, de l'État-nation. Personne ne conteste aujourd'hui la prééminence de l'Etat comme cadre de l'action politique. La vie politique, tant interne qu'internationale, est dominée par la concentration de tous les pouvoirs au niveau organisationnel qu'est l'État.
Dans cette perspective, la sociologie politique est l'étude de l'état et de ses institutions. La théorie de la souveraineté, qui en est inséparable, en précise les fondements philosophiques, moraux et juridiques.
La Bigne de Villeneuve a du reste avancé, avant la guerre, le terme de statologie, plus précis pour lui que celui de science politique. On retrouve aujourd'hui cette conception dans les écrits de Marcel Prélot.
La définition du politique par L'État présente un avantage appréciable : la précision. On sait à quoi on a affaire. L'étude est limitée à l'appareil d'État. Sans doute faut-il fixer les contours de l'état : est-ce l'ensemble des agents publics ? Mais en quoi l'activité des gardiens de musée est-elle politique ? Et la grève n'est-elle jamais politique? Les problèmes de frontières ne sont pas simples, mais ils sont solubles. Ajoutons que la définition saisit l'activité politique en son essence. Tout le monde convient que l'État se trouve au coeur du politique. Pourquoi ne pas limiter le politique à l'État ?
C'est que la précision et la simplicité de cette définition ne vont pas sans inconvénient. On présuppose ainsi la spécificité du phénomène de l'état, ce qui interdit d'en rechercher ailleurs et par analogie les fondements. En quoi l'autorité du président de la République est-elle semblable ou différente de celle d'Al Capone ou de Jésus de Nazareth ? Les Nuer, qui vivent sans État, vivent-ils sans politique? Autant de questions qu'une problématique centrée sur l'Etat rend difficiles à poser.
A cet inconvénient théorique s'ajoute une considération d'opportunité. Définir le politique par l'État, c'est verser dans l'institutionnalisme. La science politique est réduite à l'étude d'un ensemble de normes avec leur substrat social. On risque de fausser l'analyse en donnant la priorité au normatif et à l'organisationnel et d'expliquer les phénomènes sociaux par les normes qui les régissent, non l'inverse. C'est mettre la charrue devant les boeufs ou, du moins, préjuger la réponse à la question du rapport entre structure et superstructure, pour employer la terminologie marxiste.
Il est curieux, dans ces conditions, de trouver certains marxistes aux côtés d'Aristote et de Marcel Prélot. Pourtant, les sociologues de l'URSS et des démocraties populaires considèrent la science politique comme la doctrine de l'État et du droit. Le philosophe polonais Adam Schaff 2ajoute que la science politique ainsi définie est partie de la doctrine générale du développement social, conçu avant tout du point de vue des relations de propriété. En d'autres termes, Schaff se livre à une double opération :en premier lieu, il isole l'État et le droit de l'ensemble social considéré; en second lieu, il rattache la doctrine de l'État et du droit aux forces économiques et sociales analysées. Nous trouvons ici la préoccupation d'une liaison constante entre le tout et les parties, qui caractérise la démarche sociologique. Nous y reviendrons dans le troisième paragraphe. .

II. Le politique n'est pas le pouvoir
.
La majorité des auteurs contemporains ramènent le politique à la notion de pouvoir. Lasswell et Dahl aux États-Unis, Burdeau, Duverger ou
Aron en France s'accordent pour considérer que la politique est l'exercice du pouvoir. Pour reprendre la formulation la plus récente, celle de Dahl 3, un " système politique est une trame persistante de rapports humains qui implique une mesure significative de pouvoir, de domination ou d'autorité ".
La définition s'attache à un phénomène essentiel. Tout rapport politique touche sans doute, de près ou de loin, au phénomène du pouvoir. De plus, la notion de pouvoir se retrouve dans toutes les sociétés. Elle n'est pas limitée à l'organisation étatique. Elle permet ainsi de comparer des phénomènes semblables, sinon identiques et de cerner, par exemple, l'essence de l'autorité dans la société esquimau et au Royaume-Uni, dans un parlement, un parti ou un syndicat. On rompt ainsi avec l'analyse formelle des institutions pour se saisir d'un phénomène social : le pouvoir.
On peut objecter que cette théorie ramène la politique à la lutte pour le pouvoir. La version subjective de cette notion est incarnée par Machiavel, pour qui le seul appétit de l'homme politique est le pouvoir. Dans une version objective, faisant abstraction de la motivation des acteurs, on constatera que toute politique se traduit en fait par une lutte pour le pouvoir. Or, la politique, nous le verrons, c'est bien autre chose que le pouvoir. La lutte pour le pouvoir n'est qu'un des aspects de la vie politique. Le pouvoir apparaît davantage comme un instrument que comme un fondement du politique. Une définition qui s'attacherait exclusivement à l'étude du pouvoir risquerait de passer à côté d'autres aspects essentiels de la vie politique.
On a observé, en outre, que cette définition n'écarte pas le danger de la description néoinstitutionnelle. Nombre d'auteurs se sont contentés de décrire l'institutionnalisation du pouvoir et de proposer des typologies du pouvoir institutionnalisé. Certes, la description et la classification sont une étape essentielle dans la connaissance. Sans Linné, Darwin n'aurait jamais existé. Remarquons simplement, à ce stade, qu'une définition substantielle ne suffit pas à se prémunir des limitations inhérentes à la simple description.
L'objection majeure que l'on peut opposer à cette définition du politique est son excessive compréhension. Si la sociologie politique doit analyser tous les phénomènes du pouvoir, elle se confond, à la limite, avec la sociologie générale. Quel groupe social ignore le phénomène du pouvoir ? Le pater familias, le chef d'entreprise, le chef de train ou le professeur détiennent une parcelle de pouvoir, d'autant plus précieuse qu'elle est plus réduite. Est-ce à dire que leurs rapports respectifs avec leurs enfants, leurs ouvriers, leurs voyageurs ou leurs étudiants sont politiques ? Dans la mesure où une définition doit d'abord délimiter un champ de recherche, la définition du politique par le pouvoir reste insuffisante.
Plusieurs auteurs ont senti les inconvénients d'une définition trop large. Aristote lui-même, qui s'attache à la polis, la caractérise par l'autorité. Il combine, ce faisant, le critère de l'État avec le critère matériel du pouvoir. David Easton, que nous aurons l'occasion de retrouver, estime que le politique est l'allocation autoritaire de choses de valeur. Tout exercice de l'autorité n'est donc pas politique. Il doit encore servir cette fin politique qu'est la distribution des ressources et la répartition de la pénurie. On pourrait multiplier les définitions. Chaque auteur (ou presque) avance la sienne, tant le politique est insaisissable. Mais, au fond. .

III. Pourquoi définir le politique ?

. A quoi sert une définition? Cette interrogation préalable peut aider à préciser l'utilité et la signification de la définition du politique. Suivons le raisonnement d'un disciple de Durkheim, Marcel Mauss 4. Mauss se propose d'étudier un fait social, la prière. Il s'agit, comme pour le politique, d'un fait social incontestable, mais dont l'étendue et les limites exactes restent flottantes. La définition doit transformer cette impression indécise en une notion distincte. Cette définition ne peut être que provisoire. Elle ne saurait saisir d'emblée la substance même des faits, qui ne peut venir qu'au terme de la science. Elle est seulement destinée à engager la recherche, à déterminer la chose à étudier, sans anticiper sur les résultats de l'étude. Elle doit limiter le champ de l'observation.
Mauss observe que la définition permet de rompre avec les prénotions, de préciser la nomenclature. Ainsi, des ethnographes, après avoir dit que la prière est inconnue dans telle ou telle société, citent des "chants religieux" et des textes rituels qu'ils y ont observés. Une définition préalable épargne" ces déplorables flottements et ces interminables débats entre auteurs qui sur le même sujet, ne parlent pas des mêmes choses".
Puisque la définition vient au début de la recherche, c'est-à-dire à un moment où les faits sont seulement connus du dehors elle ne peut être faite que d'après des signes extérieurs. Il faut trouver quelques caractères apparents, suffisamment sensibles qui permettent de reconnaître, presque à première vue, tout ce qui est prière. Ces caractères doivent être objectifs. Il ne faut se fier ni à nos impressions, ni à nos prénotions, ni à celles des milieux observés. Définir d'après des impressions revient à ne rien définir du tout, car rien n'est plus mobile qu'une impression ; elle change d'un individu à l'autre, d'un peuple à l'autre." De même que le physicien définit la chaleur par la dilatation des corps et non par l'impression du chaud, c'est dans les choses elles-mêmes que nous irons chercher le caractère en fonction duquel la prière doit être exprimée… L'ancienne physique faisait du chaud et du froid deux natures différentes ; un idéaliste, aujourd'hui encore, se refusera à admettre qu'il y ait quelque parenté entre la prière et la grossière incantation magique ".
En quoi cette réflexion de Mauss peut-elle nous servir? Retenons d'abord qu'il s'agit de délimiter un champ d'études. Une bonne définition limite la recherche à certains objets. La notion de pouvoir reste, à cet égard, trop floue pour nous. En second lieu, la définition n'a pas à saisir la substance des faits. Peu importe que l'État soit le lieu privilégié de l'activité politique ;cela ne qualifie pas la notion d'État comme définition du politique pour autant. Enfin, il importe de rompre avec les prénotions et impressions, tant de l'observateur que des sujets observés. Ce n'est pas parce que nous considérons telle activité comme politique qu'elle mérite d'entrer dans le cadre de la définition. Il faut nous attacher, autant que possible, à des caractères objectifs, incontestables.
Appliquons cette méthode à l'objet de notre étude. De même que
Mauss constate l'existence, dans de nombreuses sociétés, d'un rite qu'il appelle prière, nous pouvons constater, dans de nombreuses sociétés, la présence d'un système politique, c'est-à-dire d'un ensemble de rôles sociaux organisés à des fins très diverses et qui maintiennent leur autorité par un certain degré de contrainte. Comment définir cet ensemble qui a une réalité objective, tangible, dans nombre de sociétés humaines? Ne cherchons pas à saisir l'essentiel. Comme pour la prière, nous le trouverons à la fin de la science. La définition par l'organisation, la structure sociologique, ne suffit pas. L'appareil d'État est un moment dans l'évolution des sociétés humaines. Existe-t-il vraiment partout aujourd'hui ? Subsistera-t-il demain ? Les raisons pour lesquelles nous avons écarté la définition du politique par l'État subsistent. La définition par la fonction n'est pas plus satisfaisante. On a observé que les fonctions politiques varient à l'infini. Aucun domaine n'échappe à l'activité politique, si personnel soit-il. Et l'on ne peut pas davantage préciser des fonctions essentielles, présentes dans toute organisation politique. Même le maintien de l'ordre ou la distribution de la justice ne relèvent pas toujours du politique, comme l'a noté M. Weber.
Reste la définition par le moyen. Le pouvoir, dit-on ? Mais ce critère est trop large, nous l'avons vu. En outre, il est trop vague, trop subjectif. Définir le politique par le pouvoir, c'est déplacer le problème sans le résoudre. Nous sommes loin des signes extérieurs de Mauss, des caractères apparents suffisamment sensibles, qui permettent de reconnaître, presque à première vue, tout ce qui est politique.
Notre définition, nous l'emprunterons à
Weber : est politique un groupe de domination dont les ordres sont exécutés sur un territoire donné par une organisation administrative qui dispose de la menace et du recours à la violence physique 5. Malgré sa complexité apparente, cette définition répond aux exigences de simplicité et de sécurité posées par Mauss. Retenons de cette définition les notions de territoire, d'organisation administrative et de contrainte physique. Ce sont les moyens de l'action politique selon Weber. Et ces moyens sont définis d'une manière objective, qui ne souffre pas grande discussion. La définition de Weber limite le politique à l'exercice de certaines formes de pouvoir :l'État, sans doute (qu'il définit plus précisément par le monopole de contrainte physique légitime sur un territoire donné), mais encore d'autres formes d'organisation pré-étatique (la tribu, le clan) ou para-étatique (la corporation médiévale, la mafia).
Certes, la définition passe à côté d'une grande partie de l'activité politique. Une élection, un débat parlementaire, une loi sur l'allocation-chômage ne font pas directement appel à la contrainte physique. L'essence du politique ne risque-t-elle pas d'échapper à cette définition, alors qu'elle est appréhendée par les notions d'État ou de pouvoir ? Rappelons les termes de Mauss. Il ne s'agit pas de saisir d'emblée la substance de notre matière, mais de la délimiter et d'organiser les hypothèses de travail à partir de la définition. Pour le moment, la définition de Weber nous convient. .

2. L'analyse sociologique du systeme politique

Le substantif sociologie politique utilisé par le décret du 10 juillet 1962 est lourd de portée. Que l'on ait choisi cette expression, de préférence à celles de science politique ou de politologie, parfois avancées, rattache officiellement notre discipline à la sociologie. Effrayées sans doute par ce lien de parenté avec une discipline suspecte, certaines universités se sont empressées de supprimer ce cours, alors que d'autres le débaptisaient pour l'affubler d'un titre plus anodin.
La science n'a que faire de ces consécrations officielles et de ces querelles universitaires. En l'espèce, il se trouve que le législateur ne s'est pas trompé. L'analyse des phénomènes politiques doit être sociologique si elle veut être compréhensive. Car l'étude du fait social relève de la sociologie. Ce truisme comporte des conséquences que l'on ne perçoit pas toujours. Il implique l'unité fondamentale de la société globale, dont le politique n'est qu'un aspect. Il impose de même l'unité de la démarche sociologique. .
1. L'unite de la société globale
L'idée directrice de toute sociologie réside dans la notion d'unité de la société. Plus précisément, la société est une totalité, c'est-à-dire un ensemble d'éléments interdépendants. Tous les aspects de la vie sociale se tiennent. Le politique, l'économique, la religion ou les relations de travail sont les facettes diverses d'une même société. Ils ne constituent pas en eux-mêmes des mondes clos, isolés les uns par rapport aux autres. Reprise récemment par le structuralisme comme par l'analyse systémique, cette notion d'unité de l'ensemble social avait déjà été soulignée par Émile Durkheim à la fin du siècle dernier.
Celui-ci fait remarquer, dans les Règles de la méthode sociologique, qu'un ensemble ne peut pas être réduit à la somme de ses éléments. On ne peut donc saisir la signification d'un fait social isolé, ou replacé dans un contexte limité à telle ou telle activité sociale déterminée.
Durkheim remarque que le biologiste ne peut pas appréhender la vie dans la cellule en partant seulement de ses composantes minérales, de même que l'oxygène et 1'hydrogène envisagés séparément ne rendent pas compte des propriétés de l'eau. La structure propre à l'ensemble fait apparaître certaines relations, certains attributs, qui n'existent pas dans la somme des éléments pris isolément. Ceci est particulièrement vrai de la vie sociale, qui constitue un tout.
Conséquence de cette constatation, tout phénomène dans un ordre d'activités a des répercussions immédiates dans l'ensemble de la société et vient donc perturber les relations dans les autres ordres d'activités. Il est impossible d'analyser un aspect de la vie sociale sans tenir compte de tous les autres aspects. La sociologie politique ne peut ignorer ce qui se passe dans les domaines économiques, religieux, etc. L'analyse d'un élément le politique, par exemple isolé de l'ensemble qu'est la société globale, n'a aucune signification. Pas plus que l'étude du nombre "deux", isolé de l'ensemble que constitue la série des nombres entiers.
De cette idée découle le rattachement de la sociologie politique à la sociologie générale. La sociologie politique ne peut être qu'une branche de la sociologie générale, une spécialisation techniquement utile, mais accessoire. Elle reste soumise en ses fondements et en ses méthodes à la discipline mère.
Une autre manière d'exprimer cette idée fondamentale serait de dire qu'il y a un système politique, mais qu'il n'y a pas de société politique. Nous découpons, aux fins d'analyse, un secteur d'action sociale dans la société globale, que nous constituons en système distinct grâce à la définition que nous avons adoptée. On distingue ainsi un système politique, un système économique, un système religieux, etc. Mais cette Opération reste intellectuelle. Elle est simplement destinée à faciliter la recherche en limitant son objet. Nul ne peut saisir à la fois toutes les données d'un ensemble si complexe. Il faut en isoler certains éléments pour mieux les comprendre. Le but de cette opération est de définir un système social (...).
Mais ce système intellectuel n'est pas une société réelle, un ensemble d'hommes groupés en une société donnée, distincte d'autres sociétés. Il n'y a donc pas, en ce sens, de société politique distincte de la société économique ou de la société religieuse. L'analyse du secteur d'activité particulier doit toujours se référer à la totalité sociale.
D'ailleurs, chacun peut observer dans la vie courante cette interaction des systèmes sociaux. On est en même temps étudiant, consommateur, citoyen, fils dévoué, etc. Chaque agent est investi d'une pluralité de rôles sociologiques, qu'il tient tour à tour. Ce faisant, il participe à divers systèmes sociaux. Or, ces rôles sociaux réagissent les uns sur les autres et ne peuvent être séparés que par artifice. De même que les rôles sont les facettes multiples de la personnalité sociale de 1'individu, les systèmes sont les aspects divers de la société. On ne peut pas plus étudier le système en ignorant la société qu'on ne peut étudier le rôle en ignorant l'individu.
Il faut donc dénoncer toute autonomisation de la sociologie politique. Étudier le politique en soi, expliquer le politique par le politique, sont des erreurs fréquentes et pourtant manifestes. Le premier devoir des sociologues est de rattacher le fait social à la totalité sociale. .
II. L'unité de la démarche sociologique
Corollaire méthodologique de l'affirmation de 1'unité de la société globale, l'unité de la méthode sociologique n'est pas moins évidente. En clair, cela veut dire que la sociologie politique est d'abord une sociologie et qu'elle est donc soumise aux règles de la méthode sociologique.
L'affirmation ne devrait pas souffrir grande discussion. On avait naguère cru voir dans la science politique une matière au carrefour de plusieurs disciplines, échappant par là même aux exigences de chacune d'elles. Art plus que science, l'étude de la politique aurait ainsi fait appel au talent des historiens comme des géographes, des démographes, des psychologues, des sociologues, des économistes, etc. Cette multitude de perspectives permettrait seule d'embrasser la complexité des phénomènes politiques.
Il n'est pas contesté que l'apport de toutes ces disciplines peut être utile, voire nécessaire, pour l'étude des faits politiques. C'est d'ailleurs vrai de l'étude de tout fait social. Par la nature même de son objet, qui est la société globale, la sociologie est appelée à s'appuyer sur l'ensemble des contributions des autres sciences sociales.
Ce n'est pas une raison pour détacher la science politique de l'ensemble de la sociologie et l'ériger en domaine autonome, où la fantaisie de chaque chercheur pourrait se déployer librement. Une telle affirmation, pour être légitime, demanderait au minimum que l'on établit l'originalité des phénomènes politiques par rapport à l'ensemble des faits sociaux. La preuve n'en a jamais été apportée. Tout au contraire, les difficultés que nous avons rencontrées en essayant de définir le domaine du politique démontreraient, si besoin était, que les faits politiques ne se distinguent pas nettement de l'ensemble social.
La plupart des auteurs contemporains se rangent à cet avis et considèrent les termes de science politique et de sociologie politique comme synonymes. L'origine historique explique la dualité de la terminologie. Aux États-Unis, l'étude de la science politique relève des départements de sciences du gouvernement ("government"), alors que les départements de sociologie étudient la sociologie politique. Cette concurrence entre structures universitaires se traduit par une différence d'accent dans l'étude du même objet. Cependant, la mise au goût du jour du lexique de certains auteurs ne doit pas dissimuler leur fidélité aux conceptions les plus communes de la discipline.
Il faut affirmer, à l 'encontre du confusionnisme de la science carrefour, la rigueur qui impose de traiter les faits politiques comme des faits sociaux. C'est dire que nous ne considérons pas la science politique comme un lieu privilégié de rencontres mais comme une branche de la science sociologique et qu'à la diversité d'approches ou de traitement des phénomènes politiques nous préférons l'unité de la démarche sociologique.
Encore faut-il dire quelques mots de cette unité souvent controversée. Pour beaucoup, la sociologie générale semble s'être diluée dans une série de sciences sociales particulières. Il est vrai que la sociologie s 'est diversifiée et spécialisée. Aux grandes synthèses générales d'un
Spencer auraient succédé des recherches minutieuses sur la sociologie rurale ou le système d'enseignement. Par ailleurs, on ne peut être que frappé par la diversité des théories du système social et leurs " irréductibles oppositions ". Sans discuter ici de cette irréductibilité pourtant discutable sous certains rapports, disons que l'opposition des théories sociales cache à beaucoup l'unité épistémologique qui a permis leur réalisation. Il est frappant de voir à quel point les plus grands auteurs engagent dans leurs oeuvres les mêmes principes épistémologiques. Marx, Durkheim et Weber, par exemple, que tout sépare Sur d'autres plans, nous enseignent la même méthode sociologique. On ne peut donc pas dire que la sociologie générale s'efface, mais plutôt qu'elle se développe en une série de sociologies particulières, issues de la discipline de base et devant respecter ses principes.
La sociologie politique aspire à s'intégrer à cet ensemble Elle est encore loin du but. Nous aurons souvent l'occasion de constater que les préceptes les plus élémentaires ne sont pas respectés par la recherche politique. La sociologie politique, à proprement parler, balbutie encore. Le retard de notre discipline est flagrant. Cette remarque limite dès l'abord l'ambition de notre entreprise : prendre connaissance d'une science en devenir, mais qui reste imparfaitement constituée. Dans cette incertitude, assurons au moins les fondements de notre démarche.
Durkheim l'affirmait déjà : " Si l'on veut suivre une voie méthodique, il faut établir les premières assises de la science sur un terrain ferme et non sur un sable mouvant. Il faut aborder le règne social par les endroits où il offre le plus prise à l 'investigation scientifique. C'est seulement ensuite qu'il sera possible de pousser plus loin la recherche, et, par des travaux d'approche progressifs, d'enserrer peu à peu cette réalité fuyante dont l 'esprit humain ne pourra jamais, peut-être, se saisir complètement 6. "
Notes
1. Gaston Bachelard, La Formation de l'esprit scientifique, 4e éd., Paris, Vrin, p. 24 s. 2. Adam Schaff, " La conception du matérialisme dialectique en science politique ", in La Science politique contemporaine, UNESCO, 1950. 3. Dahl, Modern Political Analysis, 2e éd., 1970, p. 6. 4. Marcel Mauss, La Prière cité in Bourdieu et al., Le Métier de sociologue, Paris, Mouton-Bordas, 1968, p. 143 s. 5. Max Weber, Économies et Société, Paris, Plon, 1971, tome 1, p. 57. 6. Durkheim, Règles de la méthode sociologique, Paris, PUF, 17e éd., p. 46. 7. Jean-Louis Cot, Jean Pierre Mounier, Pour une sociologie politique, Point Seuil, 1974, T. 1, p11-25.





Emile DURKHEIM
(1858 - 1917)
Tocqueville :
1, Weber : 1, 2, 3, 4, Pareto : 1, Nouv. soc. 1, 2, Socio. politique : 1, 2, 3, 4, 5, Innov : 1, 2, 3,
Document
Le suicide (Commentaires)
L'homme et l'oeuvre
Durkheim et l'exemple de la physiologie
Existe-t-il des faits sociaux ?
L'explication des faits sociaux
La méthode d'étude des faits sociaux
Influence de Durkheim
1-.
L'homme et l'oeuvre
Premier sociologue à avoir élaboré une méthode scientifique dans Les règles de la méthode sociologique, Durkheim n'en reste pas moins avant tout un philosophe et un moraliste, lui aussi marqué par les problèmes de son époque et ses problèmes personnels : l'affaire Dreyfus, la défaite de 1870, la commune, la guerre de 1914, la mort de son fils tué en 1917. "Notre premier devoir actuellement est de nous faire une morale" déclare-t-il en conclusion de sa thèse sur La division du travail social (1893), et d'affirmer que la sociologie ne vaudrait pas une heure de peine si elle n'était que spéculative.
Il demeure de son époque, proche de
Comte par son moralisme sa façon de réifier et même de déifier la société : "Entre Dieu et la Société, il faut choisir. [...] Ce choix me laisse assez indifférent, car je ne vois dans la divinité que la société transfigurée et pensée symboliquement".
Il faut en revanche insister sur le modernisme de ses conceptions scientifiques.
On doit à Durkheim le premier effort conscient et réussi pour allier théorie sociologique et recherche empirique. En effet, après la publication en 1895 des Règles de la méthode sociologique, Durkheim fait paraître en 1897 une étude sur
Le suicide qui illustre sa méthode.
Les volontés individuelles sont insuffisantes à expliquer ces lois qui traduisent la régularité de certains évènements, comme le suicide. Il faut admettre que des forces extérieures impersonnelles agissent, qu'il existe donc bien des phénomènes sociaux. C'est le propre de la sociologie de les étudier, d'observer les habitudes collectives et leurs représentations.
On imagine l'effet que pouvait produire en 1895 une démonstration de ce genre. Si elle enthousiasmait les esprits scientifiques, désireux de démontrer la mécanique sociale, comme celle des planètes ou des fluides, en relègant sorciers et soutanes, quelle pouvait être la réaction de l'homme, même sans parti pris, pour lequel la décision de vivre ou de mourir représentait l'action la plus personnelle et la plus libre que l'on puisse entreprendre. Les lois de la physique sont extérieures, elles nous conditionnent seulement matériellement, il est plus facile de s'en accomoder. Mais ces impondérables lois sociales, fabriquées par nous-mêmes à notre insu, qui nous détermineraient sans que nous le sachions... comment en accepter l'idée ?
2-.
Durkheim et l'exemple de la physiologie
Si Durkheim heurte les tendances majoritaires de son époques : la
métaphysique, le vitalisme, le psychologisme, il n'est tout de même pas seul. Saint-Simon, A. Compte et Spencer ont montré le chemin mais ne sont pas suivis. C'est un contemporain, un physiologiste, C. Bernard qui lui servira d'exemple dans son entreprise scientifique. Il le cite rarement, car ce n'est pas au savant qu'il emprunte, mais à la physiologie. Comme l'écrit J. Michel (1990) : d'après Durkheim, " [...] pour une science, s'autonomiser veut dire à la fois se libérer et se servir des autres savoirs [...] mais une science ne peut efficassement emprunter à une autre, qu'à la condition que celle-ci soit établie, autonome tant dans sa méthode que dans son champ d'investigation". Ce n'est pas de métaphore qu'il est question, Durkheim a reproché à Spencer d'en abuser, mais de comparaison. Il s'agit d'une similitude des points de vue, non d'une activité semblable que la différence d'objet rend impossible.
On a de nombreuses preuves et les réflexions de Durkheim lui-même sur l'inflence qu'exerça sur lui C. Bernard. Pourtant celui-ci mourut en 1878, l'année même de la naissance du sociologue et sa notoriété n'était en rien comparable à celle de Pasteur. Pourquoi Pasteur n'a-t-il pas lui aussi, par ses recherches empiriques, intéressé Durkheim ? D'abord une opposition sociale et pschologique explique cette distance. Pasteur est un catholique pratiquant, ambitieux, conservateur, cultivant ses relations et sa popularité. Durkheim, un juif, socialiste, et ce qui ne facilitait pas les échanges, tous deux également austères, convaincus et entêtés. Mais plus que ces traits de personnalité, leurs objectifs scientifiques les opposaient. Pasteur s'intéressait à la microbiologie et poursuivait des résultats pratiques, limités à un domaine précis, "un symptôme, un microbe, un vaccin" disait-on. Au contratire, Durkheim trouvait chez C. Bernard, toutes proportions gardées, un objectif semblable au sien. Tous deux entreprenaient des recherches emiriques rigoureuses, mais avec la même ambition de généraliser les résultats, pour C. Bernard aux grandes fonctions de l'organisme, pour Durkheim, la société tout entière.
C'est chez C. Bernard que Durkheim trouvera la solution ou du moins la confirmation de la vérité qu'il apporte aux problèmes délicats de la sociologie : l'incontournable question des rapports de l'individu et de la société, des parties et du tout, du déterminisme et de la liberté, enfin de la psychologie et de la sociologie. "Il y a entre la psysiologie et la sociologie, la même solution de continuité qu'entre la biologie et les sciences physico-chimiques" écrit-il. Si la sociologie se heurte à des difficultés propres aux sciences sociales, la solution est la même : "l'origine première de tout processus social de quelque importance doit être recherchée dans la constitution du milieu social interne [...]. L'effort principal du sociologue devra donc tendre à découvrir les différentes propriétés de ce milieu."La notion de milieu interne, avec tout ce quelle implique est une création de C. Bernard que Durkheim s'approprie. De même que pour le physiologiste, les organismes élémentaires ne peuvent survivre séparés de mer environnement, l'individu ne peut se concevoir hors de la société dont il fait partie, au sein de diverses consciences collectives (morales, familiales, religieuses, juridiques) au mileur desquelles il a grandi et dont l'étude forme le champ de la sociologie. L'anomie est bien le preuve de la nécessité pour la liberté de l'être humain d'une subordination de l'individu à l'ensemble social. "Comme chez C. Bernard, l'autonomie et la subordination doivent être pensées ensemble".
A la question fondamentale de la sociologie, comment une somme d'individus peut-elle former une société ? Durkheim répondra : par la solidarité, élément commun à toute existence sociale. S'opposant à
Spencer qui considérait deux types de société possibles sans rapports entre eux, ils distingue la solidarité mécanique dans les société à conscience collective forte et la solidarité organique dans les sociétés complexes, où, sous l'influence de la division du travail, la complémentarité unira des parties : les individus et des intérêts interdépendants.On trouve déjà dans la division du travail social des idées fondamentales que Durkheim explicitera dans la suite de ses oeuvres. La conscience collective est "l'ensemble des croyances et des sentiments communs à la moyenne des membres d'une société." Cet ensemble forme un "système déterminé qui a sa vie propre". Durkheim affirme ensuite la priorité de lasociété, de la structure sociale, du tout sur les parties : les individus, les phénomènes individuels.
3-.
Existe-t-il des faits sociaux ?
Sur le plan méthodologique, nous trouvons pour la première fois une réflexion organisée, systématisée, sur ce qu'est la sociologie et à quelles conditions elle peut être une science. Les deux textes essentiels, qui d'ailleurs se recoupent en bien des points, sont Les règles de la méthode sociologique et l'article de P.
Fauconnet et M. Mauss sur la sociologie, paru dans la Grande encyclopédie française du XXe siècle (1901).
La première question posée par Durkheim est celle-ci : peut-il exister une science appelée sociologie comme il existe une science physique ?
A quelles conditions peut-on parler de sciences ? Lorsqu'i y a un objet et une méthode scientifiques, c'est-à-dire la possibilité de relier les faits entre eux. D'où deux questions : y a-t-il un domaine, un objet, des faits sociaux spécifiques ? Y a-t-il une méthode scientifique applicable à cet objet ?
Admettre des faits sociaux spécifiques, c'est prendre une position anti-psychologiste et reconnaître que les phénomènes collectifs sont autre chose qu'une simple addition de réactions individuelles. Non content de découvrir ces faits sociaux, Durkheim ajoute que leur caractéristique, ce qui permet de les reconnaître, c'est la
contrainte : "les faits sociaux consistent en des manières d'agir, de penser et de sentir extérieures à l'individu et qui sont douées d'un pouvoir de coercition en vertu duquel ils s'opposent à lui [...] Un fait social se reconnaît au pouvoir de coercition externe qu'il exerce ou est susceptible d'exercer sur les individus."
Les institutions constituent cet ensemble d'actes et d'idées que les individus trouvent en naissant, qui sont antérieures à chacun et qui s'imposent à tous, mais elles vivent, se transforment. La sociologie a pour but de les étudier. L'éducation est l'opération par laquelle l'être social est surajouté à l'enfant et l'adapte à cette contrainte qu'exerceront sur lui les institutions.
4-.
L'explication des faits sociaux
Comment expliquer cette contrainte et ce qui détermine les fais sociaux. Durkheim repousse les explications trop générales que propose le philosophe de l'histoire (
Compte, Spencer), car elles ne rendent pas compte de la vérité des coutumes et également les explications particulières par l'histoire elle-même. La méthode comparative montre, sans fournir de raisons, qu'il existe des intitutions identiques chez des peuples différents. Il écarte enfin et surtout l'explication par la psychologie individuelle, très répandue chez les sociologues de lépoque, qui attribuent à l'homme les sentiments que sa conduite manifeste (la jalousie par l'instinct sexuel) au leiu d'en expliquer l'origine. "Puisque leur caractéristique essentielle consiste dans le pouvoir qu'ils ont d'exercer du dehors une pression sur les consciences individuelles, c'est qu'ils n'en dérivent pas et que par la suite, la sociologie n'est qu'un corrollaire de la psychologie. [...] L'individu écarté, il ne reste que la société, c'est donc dans la nature de la société elle-même, qu'il faut aller chercher l'explication de la vie sociale." Pour Durkheim, on s'en doutait, l'explication doit être de nature sociologique. "La cause déterminante d'un fait social doit être cherchée parmi les faits sociaux antécédents, et non parmi les états de la conscience individuelle. [...] La fonction d'un fait social doit toujours être recherchée dans le rapport qu'il soutient avec quelque fin sociale." La pensée de Durkheim que Malinowski considérait comme le père du fonctionnalisme, oscille entre une explication historique : "l'origine première de tout processus social doit être recherchée dans la consitution du milieu social interne" et une attitude que l'on qualifierait aujourd'hui de fonctionnelle. Confondant parfois la recherche des origines et la découverte des fonctions, il tente une conciliation en déclarant qu'il faut utiliser ces deux points de vue de façon indépendante. Cependant, Durkheim rend un immence service à la sociologie en la débarrassant du finalisme historiquen, cette forme d'utopie, obstacle à son développement scientifique. "Quand on entreprend d'expliquer un phénomène social, il faut rechercher séparément la cause efficiente qui le produit et la fonction qu'il remplit." [...] "Faire voir à quoi un fait est utile n'est pas expliquer comment il est né, comment il est ce qu'il est [...] un fait peut exoster sans servir à rien." A la recherche d'une explication sur la valeur impérative des insitutions sociales, Durkheim découvre l'opinion, système de représentation collectives qui expriment l'état de la société. Les institutions n'existent que par les représentations que s'en fait la société, leur force vient des sentiments qu'elles inspirent
5-.
La méthode d'étude des faits sociaux
L'existence de l'objet de la sociologie : les faits sociaux étant admis, reste à savoir comment ils peuvent être étudiés de façon scientifique. La première règle, fondamentale, est de "considérer les faits sociaux comme des choses".." Nous ne disons pas en effet que les faits sociaux sont des choses matérielles, mais sont des choses au même titre que les choses matérielles, quoique d'une autre manière. Qu'est -ce en effet qu'une chose ? La chose s'oppose à l'idée, comme ce que l'on cannaît du dehors à ce que l'on connaît du dedans [...] Traiter des faits d'un certain ordre comme des choses, ce n'est donc pas les classer dans telle ou telle catégorie du réel, c'est observer vis-à-vis d'eux une certaine attitude mentale." C'est grâce à Durkheim que la sociologie française a, la première, admis que la sociologie est une science comme les autres et que son but est la découverte de relations générales entres les phénomènes. Mais Durkheim ne s'est pas contenté de vouloir appliquer la démarche de la recherche scientifique aux faits sociaux. Le processus est vécu, pensé, systématisé en fonction de son objet particulier. Si la démarche est semblable, c'est parce que le but identique, la science, impose les mêmes conditions. Après avoir attiré l'attention sur l'importance de la définction pour "limiter le champ de la recherche et savoir ce dont onparle", Durkheim insiste sur la nécessité de substituer aux notions du sens commun une première notion scientifique. Les notions ou concepts, " [...] ne sont pas les substituts légitimes des choses. Produits de l'expérience vulgaire, ils ont avant tout pour objet de mettre nos ations en harmonie avec le monde qui nous entoure. Ils sont formés par la pratique et pourelle. " L'observation ne doit pas être un simple compte rendu car le sociologue ne décrit pas les faits, elle doit les constituer, thème que reprendra
Bachelard. Durkheim insiste sur le fait que les observations doivent être faites de façon impersonnelle, utilisables et vérifiables par tous, avant d'être systématisées rationnellement. Devant les diffultés de l'expérimentation, il reconnaît que "la méthode comparative est la seule qui convienne à la sociologie". Donnant une fois de plus la preuve de son esprit scientifique, il insiste sur la qualité d'une expérience, plus importante à son avis qu'une accumultion de constatations secondaires. "Dès qu'on a prouvé que dans un certain nombre de cas, deux phénomènes varient l'un comme l'autre on peut être certain qu'on se trouve en présence d'une loi."
6-.
Influence de Durkheim
L'oeuvre de Durkheim a exercé une influence souvent indépendante des idées de son auteur. Les coiologues américains ont trouvé chez lui, sur le plan théorique, les notions de fonction, de solidarité et d'anomie et sans doute un moraiste convenant à leur puritanisme. Parsons en particulier y a puisé des éléments pour sa théorie de l'équilibre social. Sur le plan pratique, les règles de la méthode donnaient aux chercheurs des Etats-Unis la garantie scientifique qu'ils recherchaient. En France, Durkheim a occupé à la Sorbonne la première chaire de sicences de l'éduction et de sociologie. Ses élèves les plis éminents, (
Mauss, Fauconnet, Davy) ont constitué ce que l'on a appelé l'école française de sociologie.
La fondation de L'année sociologique en 1898, deux ans après l'Américan Journal of Sociology) a permis le contact entre sociologues d'horizons divers et la publication de nombreuses recherches, en particulier d'ethnologie.Mais l'impérialisme de Durkheim qui visait le regroupement de toutes les sciences sociales sous la protection de la sociologie, irritant les économistes et les historiens. Enfin son esprit dogmatique, moralisateur, et, c'est à un anglais de s'en pplaindre, totalement dépourvu d'humour, ne facilitait pas l'acceptation de tendances scientifiques, qui heurtaient un grand nombre de ses collègues.
L'infleunce directes de Durkheim après la dispatition de ses disciples subit une éclipse. Elle se fera à nouveau sentir en France par le détour des Etats-Unis, dans la recherche d'une réflexion théorique plus scientifiques. Parmi les sociologues français de cette époque, il faut encore citer
Levy-Brühl (1857 - 1939). Sans être en opposition réelle avec Durkheim, il représente un courant de pensée différent, opposé à toute tendance moraliste.
Parmi les durkheimmien :
Halbwacks s'est intéressé aux problèmes des classes sociales, des niveaux de vie, à la mémoire collective,. Marcel Granet à la pensée choinoise, Simiand est l'auteur d'un ouvrage sur le salaire.
Sources
Méthodes des sciences sociales, Madeleine Gravitz, Dalloz, 1996.


Max WEBER
1864 - 1920
Tocqueville :
1, Pareto : 1, Nouv. Soc : 1, Socio. Orga. 1, 2, Socio. politique : 1, 2, 3, Innov : 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7,

Pour comprendre Max Weber, il faut naturellement comme pour les autres sociologues, on serait tenté de dire plus que pour les autres, le replacer dans le cadre de son époque et de sa biographie.
Né dans un milieu bourgeois, il s'intéresse à la politique (son père y joue un rôle) et à la religion protestante (sa mère est très croyante). Il est lui-même juriste de formataion et sa culture est exceptionnelle. Son oppostion à Freud peut être interprétée comme une défence contre des interprétations psychanalytiques dont il aurait eu probablement besoin. Ses dépressions, ce que l'on peut connaître de sa vie, permettent de supposer un complexe de culpabilité, un OEdipe mal résolu et une femme possessive bien que compréhensive. La fragillité de son système nerveux et sa grande sensibilité semblent dominées par une exceptionnelle intelligence . Mais cette dualité explique peut-être l'ambivalence de ses attitudes, l'impression qu'il donne si souvent d'être déchiré (en particulier en politique) entre l'action et la réflextion, la sicne et des aspirations religieuses, l'Allemangne des junkers qu'il déteste, et son nationalisme
Le cadre de son époque, c'est sur le plan politique en 1870 l'Allemagne unifiée et prussionne de Bismarck. Sur le plan intellectuel, la grande querelle entre l'idéalisme et le matérialsiem (Kant, Hegel contre
Marx) enfin le discussions sur l'opposition ou la similiture, entre la méthode historique et celle des sciences de la nature. Une part de l'oeuvre de Weber représente une tetative de réponse à cex deux questions. L'historien du droit, l'expert en sciences politiques et économiques se transforma en sociologue au cours d'un long et intense dialogue avec l'ombre de Marx

Sources Méthodes des sciences sociales, Madeleine Gravitz, Dalloz, 1996.
Alexis de TOCQUEVILLE
1805 - 1859
Selon R.
Aron, Tocqueville ne figure pas parmi les inspirateurs de la pensée sociologique. Sans doute comme Montesquieu est-il avant tout un penseur politique.. Mais alors que Montesquieu peut être considéré comme un précurseur de la rigueur scientifique dans les sciences sociales, les idées de Tocqueville exercent une influence, non ses méthodes. Sa seule méthode est d'être intelligent, subtil, intuitif, et de savoir écrire !. Ne serait-ce qu'à titre d'exemple de résultats d'analyse qualitative, il mérite d'être cité.
Tocqueville a écrit deux livres importants, publiés de son vivant :
La Démocratie en Amérique (1835) et L'Ancien Régime et la Révolution (non terminé). Il étudie non seulement les facteurs historiques, politiques et économiques, mais également sociologiques : "On peut m'opposer sans doute les individus, écrit-il, je parle des classes, elles doivent seules occuper l'histoire". Sans donner de définitions des classes, ni des groupes sociaux, il les analyse, montrant leur marque d'unité, leur tendance à l'uniformité et à la séparation, le privilèges des uns, les ambitions des autres. Analyse descriptive sans doute, mais plus riche d'explication que bien des tentatives plus ambitieuses.
Si Tocqueville excelle dans l'analyse politico-siociologique, ou dans la description et le portrait d'une société particulière, il utilise, note R.
Aron dans le second volume de la Démocratie en Amérique, une troisième méthode : "une sorte de type idéal, la société démocratique, à partir duquel il déduit quelques-une des tendances de la société future 1" A partir d'éléments connus, il essaie de poser les questions essentielles pour l'avenir et procédé qu'tilisera M. Weber pour imaginer un autre passé possible. L'aristocrate Tocqueville ne croit pas que l'industrie suscite une aristocratie nouvelle. Comme le dit R. Aron : "[...] contre la vision catastrophique et apocalyptique du développement du capitalisme propore à la pensé de Marx, Tocqueville faisait, dès 1835, la théorie plus résignée qu'enthousiaste du wellfarestate ou encore de l'embourgeoisement généralisé 1".
On doit enfin noter que Tocqueville n'éprouve pas de scrupules à juger. A côté de toutes les professions de foi scientifiques (A.
Compte, E. Durkheim, V. Pareto) et serments d'objectivité constamment transgressés, il est reposant de lire un auteur qui, après avoir analysé d'une façon qu'il croit honnête, les évènements, les juge en fonction de sa propre échelle de valeurs. "Je n'ai même pas prétendu juger si la révolution sociale, dont la marche me semble irrésistible, était avantageuse ou funeste à l'humanité ; j'ai cherché celui chez lequel elle atteint le développement le plus complet et le plus paisible, afin d'en discernet clairement les conséquences naturelles et d'apercevoir s'il se peut, les moyens de la rendre profitable aux hommes."
En ce sens, écrit R.
Aron, "il appartient à la tradition des philosophes politiques classiques, qui n'auraient pas conçu d'analyser les régimes sans les juger simultanément 1".
Notes
1. Les étapes de la pensée sociologiques, R. ARON, Gallimarg, 1967.
Sources Méthodes des sciences sociales, Madeleine Gravitz, Dalloz, 1996
.