الدراسات
السوسيولوجيا والفرضيات الممكنة لفهم
إشكالية ظهور الحركات الإسلامية بالمغرب
بوجعبوط المصطفى *
عرفت الدراسات والأبحاث المعاصرة للحركات الإسلامية
تصاعدا من حيث عددها وعدد المقبلين عليها لرصدها كظاهرة في مختلف تجلياتها الدينية
والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك بعد الأحداث التي عرفتها الدول
الإسلامية، وغيرها من الدول في مختلف العالم مما جعل الاهتمام بهذه الأبحاث لرصدها
إلى حد أنها كادت تسبق العولمة في حد ذاتها. ولكن يبقى السؤال
مطروحا على هده الأبحاث عن الكيفية التي تم دراستها؟ والمناهج التي تم الاعتماد
عليها؟ وإلى أي مستوى تم استعمال علم الإسلامونولوجيا لفهم
الظاهرة؟
هذا يمكننا من الانطلاق من ملاحظتين جوهريتين تبدو لنا
ضرورية لفهم السياق العام لإشكالية ضعف الدراسات السوسيولوجية حول القيم الروحية
للمجتمع المغربي.
الملاحظة الأولى:
بشأن الأبحاث الموضوعاتية التي تناولت على الخصوص الدين، فإنها تتسم بالقصور في
المقاربات المنهجية. لماذا ؟ لأن جل الأبحاث اعتمدت على المقاربات الأنتروبولوجيا
والسوسيولوجيا ،وعلم السياسة وأغفلت مقاربة علم الاجتماع الديني الذي هو جوهر
رئيسي لدراسة مكانة الدين وموقعه في الحقليين السياسي والاجتماعي ، ثم أغفلت هذه الأبحاث أيضا مقاربة علم الاجتماع القانوني
الذي يمكن من خلاله الكشف عن علاقة القانون بالدين ودوره في ضبط وضمان استقرار
المجتمع.
وفقا لهذه الملاحظة نستنتج استنتاجين على النحو التالي:
الأول: أن الجامعات المغربية أصبحت خالية وغير قادرة على
إنجاز أبحاث التي لها صلة بالميدان''دراسة الميدان'' أم أن الأمر يتعلق
بعقم معرفي لدى الباحثين؟ أم أن النظام البيداغوجي الجديد جعل كلا منهما (
الباحثين، الجامعات) ينبطح للآخر؟
الثاني: أن الأبحاث التي تناولت الحركات الإسلامية تعتمد على
نفس الاحصائيات والمعطيات التي وصل إليها تقريبا الأنتروبولوجيين
الأنكلوسوكسونيين.
هدا يدعونا إلى القول أن الدراسات الأكاديمية والسوسيولوجية
منها بالأخص لاتواكب التحولات التي يعرفها المجتمع في ظل العولمة خاصة ظاهرة
(الحركات الإسلامية). لذا تبقى الأبحاث المهمة في هذا المجال تعود إلى ما قبل
1996، باستثناء البحث العالمي حول القيم الذي أنجز سنة 2001.
الملاحظة الثانية، تقودنا إلى إبراز أهم الدراسات السوسيولوجيا حول هذه
الظاهرة: ابتداء من فترة الحماية التي قام بها "فستر مارك"حول
الدين بالمغرب ثم ما بعد الاستقلال نجد العديد من الدراسات النتروبولوجية
والسوسيولوجية كان من أبرزها النظرية الانقسامية "لإرنست كيلنر"
حول صلحاء الأطلس ،الذي اعتمد على الجرد التاريخي والبحث الأنتروبولوجي
الإمبريقي.وخلافا لهذا نجد دراسات حديثة في هذا الاتجاه لكل من "آدم أندري"
1961،حول الشباب" المتمدرس وعلاقته بالتدين".وبول باسكون 1969 و"محمد
الطوزي" حول "الطلبة وممارسة الصلاة"1984 .و"بناني
شرايبي "1994.وبحث "رحمة بورقية" حول "القيم
التحولات والآفاق" (اعتمدت على عينة تصل إلى 2264
مستجوب).والبحث الذي قام به الأمريكي"رونالد انكلهارت"2001
بانجاز مسح عالمي حول القيم شملت 80 دولة كان منها المغرب(اتخد عينة تمثيلية من
حوالي 1000 شخص حيث وصل إلى نتائج التالية % 67 من
المغاربة يؤدون الصلاة بانتظام %19 بغير انتظام بينما% 14
لايصلون).ثم البحثي الوطني حول القيم سنة 2004 في اطار تقرير 50 الذي اعتمد كأساس
لقياس تطورات القيم الدينية والروحية في المغرب التي لا تتجاوز عينته 1000 حالة).
إذن هذه الملاحظة تجبرنا إلى الوصول إلى استنتاجين وهما
على النحو المبين أسفله:
الأول: إن الخلاصات التي وصلت إليه الأبحاث الأنتروبولوجيا
والسوسيولوجيا قبل 1996،مهمة للباحث الأكاديمي للانطلاق منها والاستئناس بها دون
الاعتماد عليها ،لأنها غير صالحة لعالم معولم ومغير تغيرا جذريا في بناه
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. مثلا:(نمط الحياة عند المجتمعات الآفلة هل هي
شبيهة للمجتمع الحالي. طبعا لا؟ ثم الدراسات التي قام بها كيلنير في الأطلس تعرضت للانتقاد من لدن عبد الله
الحمودي).
الثاني:أن اعتماد على عينة 1000 مستجوب ،لاتمكننا من الناحية العلمية والمنهجية الاستشراف
بالمستقبل بناء على نتائج شبه احتمالية،لذا فمن الشروط المنهج السوسيولوجي دراسة
المجتمع في شموليته واستحضار مختلف الظواهر والعوامل الاجتماعية .لأن معظم
الاستنتاجات والخلاصات ركزت على المدن والمناطق المركزية مقابل إغفال المناطق
الهامشية والقرى بالخصوص،باستثناء بحث "بول باسكون" في المجال
القروي.
وللإلمام بجانب من هذا الموضوع يمكن طرح التساؤلات
التالية لتتضح الرؤى وتنكشف الصورة عن سر الحركات الإسلامية المعاصرة وذلك على
النحو التالي:
ü
إلي أي حد يمكن أن نعتبر أن الدراسات السوسيولوجيا حول
الحركات الإسلامية تلعب دورا فاعلا لإدلاء بالنصح للفاعلين السياسيين؟ومعرفة
نواياهم؟
ü
ماهو حجم الذي بدأت تأخذه هذه الحركات الإسلامية؟
ü
هل الحركات الإسلامية المعاصرة حركة دينية أم سياسية؟وهل
تهدف إلى بناء الدولة الدينية؟
ü
وهل هي تعبير عن
حركة تاريخية أم انعكاس لحركة احتجاج اجتماعي؟
ü
وهل تمثل حركة أصلية أم أنها تعبير عن أزمة اقتصادية؟
ü
وهل نمو الحركة الإسلامية السياسية بالضرورة عودة الفكر
والقيم الماضية التقليدية؟أي نزعة ماضوية؟
ü
هل تجسد هذه الحركة الرفض العلني للحداثة والتحديث؟أم هي
بالعكس نتيجة إخفاقها؟
ü
ماهي قدرتها على بلورة حلول ايجابية للمشكلات السياسية
والاقتصادية الراهنة والملحة؟وهل الحداثة قد أخفقت نهائيا وأن الحركات الإسلامية
هي الوحيدة القادرة على مواجهة مشاكل المجتمعات الحديثة؟
ü
كيف يتعامل المجتمع مع الدين؟وهل هناك وعي ديني؟أم أن
مصدر التطرف لايوجد في الدين بقدر ماهو قائم في النظام الاجتماعي؟
ü
هل إسلام المسلم عند الإسلاميين لا يتحقق إلا إذا كان
يطبق الشعائر والعبادات والقيم الروحية مواكبا لتطبيق القيم السياسية والاجتماعية
والشرعية؟
إنها جملة من التساؤلات تصعب على أي باحث أن يقدم أجوبة
نهائية أو تقريبية بدون الاستعانة بعلم الاجتماع السياسي الذي يمتاز بخصائص موضوعاتية لفهم وتفسير
الظاهرة، وذلك بتوفير الدعم اللوجيستيكتي والترسانة البشرية لفهم الواقع لاستشراف
بالمستقبل وضبط تحركاته .لذا يكشف البحث العلمي والاجتماعي عن الحوافز العميقة
لنمو هذا الطلب الاجتماعي على الإسلام.
وفقا لهذا المستوى سنطرح بعض الفرضيات التي ارتأينا أن
تكون محور اهتمام للفاعلين ومنوال الباحثين عند قيام بتجريبها وفهم من خلالها مدى
صحتها رغم تناقضاتها.وهي خمس فرضيات على النحو التالي:
الفرضية الأولى:إن تفاقم الأزمة الاقتصادية وتفاوت الطبقات الاجتماعية
أدى إلى العدوانية التي تظهرها بعض الفئات
الدينية(الحركات الإسلامية) للتعبير عن الشعور بانسداد الآفاق وبالتهديد والتهميش
والانعزال والتضييق الذي تعيشه فئات عديدة من المجتمع ،مقابل غياب الإمكانيات
والوسائل لتجاوز ذلك.
الفرضية الثانية: إن وعي الحركة الإسلامية ناتج عن تعبير عن احتجاج
اجتماعي يتخذ الإسلام قناعا وأداة للتعبئة في مواجهة النظم المهيمنة.
الفرضية الثالثة:تعطي الأولوية لأسباب سياسية، أي أصبح بإمكان
الإسلاميين اليوم تعبئة الجمهور على
برنامج إسلامي بعد أن بقي هذا الجمهور يسير لفترة طويلة وراء البرامج القومية
واليسارية،وبصيغة أخرى،هو استمرار التجاذب بين قيم الحداثة المفروضة وقيم التراث
التقليدية.
الفرضية الرابعة:"...أن العرب لن يتمكنوا من الخلاص وتحقيق الأمن
والاستقرار والسعادة الأرضية والأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة
العربية على أسس ذاتها التي قامت عليها دولة الرسول الكريم"(برهان غليون).
الفرضية الخامسة:إن احتكار النظام السياسي المغربي منذ الاستقلال أدوات
الإنتاج الرسمي والفكري واجتياح الحقل الديني وإخضاع الدين للسياسة مكن فعلا الدولة
من شرعنة هياكلها وتأطير المؤسسات الدينية وفرض تأويلات للنصوص المقدسة هذا من
جهة،ومن جهة أخرى مكنت الحركات الإسلامية في بلورت فكرا نقديا وعدائيا لهذا
الاحتكار وبحث الشباب عن المعنى؟.
غير بعيد عن هذه الفرضيات إن تاريخ المغرب أثبت على
ارتباطه بمذاهب أخرى أي المذهب الوهابي ذو الأصول السعودية،وكان ذلك نتيجة "ضغط المصالح" كيف ذلك؟ أن ظهور قضية الصحراء في السبعينات
وانتشار المد الشيوعي والناصري سيجعل المغرب في حاجة ملحة وفورية للدعم والمساعدة
الدولية، لذا وفرت إحدى الدول الخليجية الدعم للمغرب مقابل تبادل المصالح الذي نتج
عنه تسريب المذهب الوهابي وترويجه في بعض المؤسسات الدينية والتعليمية
المغربية.رغم هذا حاولت الدولة استثمار هذه الورقة الوهابية فيما بعد لمحاصرة
حركات الإسلام السياسي التي اشتد عودتها بعد الثورة الإيرانية وخاصة منها ذات
المنحى الصوفي (جماعة العدل والإحسان).هكذا تولدت من رحم الإيديولوجية
الوهابية عدة تيارات وجماعات متطرفة
كالسلفية الجهادية وجماعة الهجرة والتكفير والصراط المستقيم التي تورطت بشكل مباشر
في أحداث 16 ماي الإرهابية. Antoine
Basbous/2002)).
وصفوة القول يمكن الوصل إلى خالصتين:
الخلاصة الأولى :إن مستقبل النظام السياسي المغربي رهين بإنشاء مراكز
للدراسات الظاهرة الإسلامية لفهم الظاهرة في شموليتها والمراجعة المواكبة للقوانين
المؤطرة للحقل الديني. لذا وضع "ماكسيم
رودنسون" نمودجا مثاليا لنشأة النزعة السلفية حيث يقول :"يحصل
برود وفتور في الايديولوجيا الدينية بين حين وآخر،وذلك بسبب اصطدام النظرية بقساوة
الواقع،ولهذا السبب يجد القادة والكوادر والكثيرون من أفراد القواعد أنفسهم مدعوين
إلى إحداث نوع من ''المراجعة المستمرة'' التي يخفونها تحت ستار الإصلاح،وعندما
يصبح التفاوت كبيرا بين هذا التعديل أو المراجعة وبين المنطلقات الأولية
للدين،فإنه يوجد دائما بعض المؤمنين الذي ينهضون ضد هذه الخيانة".
الخلاصة الثانية: هو أن لكل داء دواء ولكل نتيجة سبب،لذا فكل تطور في
العلوم الدقيقة ومنها علم الاجتماع السياسي نكون شبه قريبين إلى النتيجة التي
مفادها فهم الظاهرة الاجتماعية (الحركات الإسلامية)التي تستوجب الانطلاق من الرهان
العلمي الذي يتحمله المشتغلون في اطار الاسلامولوجيا L’islamologie
كعلم يتعلق بدراسة الحركات الإسلامية كظاهرة
كلية للتدقيق في المفاهيم وكشف متاهاتها مثلا:الإسلام السياسي؛الظاهرة
السياسية؛الأصولية؛الجماعات الإسلامية؛التطرف الديني؛التعصب الديني).
باحث في القانون
الدستوري والعلوم السياسية