الخميس، 6 فبراير 2014

نهاية حزب اليسار الأخضر المغربي بين الانتفاعيون الجدد والفردانية المفرطة في تدبير المأسسة الغائبة.

نهاية حزب اليسار الأخضر المغربي بين الانتفاعيون الجدد والفردانية المفرطة في تدبير المأسسة الغائبة.
(*)بوجعبوط المصطفى
لم يمر على الحزب سوى 4 سنوات عجاف، كانت بوادره تطمح إلى تأسيس فضاء بديل ومخالف للأحزاب السياسية المغربية كخيار يتجه فيه العالم المعولم بطاقته الشابة شبيهة بالتجارب الخضر في العالم، من التجديد الفكري المنفتح على الآخر في ظل متغيرات إقليمية ودولية، لإغناء الحقل السياسي وتنوير الفكر الاجتماعي الذي سئم من المناورات السياسية الفارغة، سرعان ما إنقلب هذا الطموح إلى الانفرادية والهيمنة إرادة في تكريس سلطة الشيخ على المريد في أداء مناسكه وعبادته للولي الصالح. أو تقريب الحزب بالشخص (الشخصنة) أو النزعة  الأنتروبومورفية.
فالخريطة السياسية في المغرب أكثر تعقيدا وتلونا من لوحة فسيفساء  mosaïque ولتسليط الضوء على بعض تجارب الأحزاب التقليدية، نلاحظ أنها أحزاب إتسمت منذ تأسيسها، بعدم الاستقرار، طاهرة الهجرة (من حزب إلى آخر)، الانقسام أو التفريخ كلها أساليب الأحزاب السياسية في الدول النامية.
فأعضاء الرئيسين من حزب اليسار الأخضر المغربي وفروعه، اللذان أعلانا ندوة صحفية بتاريخ 30/01/2014 بنادي الصحافة بالرباط عن إستقالتهم موضحا بذلك في مذكرة أسباب الاستقالة، ومن هنا يطرح تساؤل، لماذا هذه الاستقالة؟ كيف يمكن أن نفهم أن الأشخاص الرئيسين المرشحين إلى (المنسق الوطني) إلى دفع هذه الاستقالة؟ ماهو البديل؟
وفي هذا السياق، تمركزت  المذكرة على نقطتين أساسيتين:
في الأداء: مأسسة الغياب !! وسيادة الفردانية !!.
... منذ تأسيس الحزب وهو يعيش في غرفة العمليات الجراحية طويلة الأمد، بتعطيله دور المجلس الفيدرالي بعد شيطنة وتخوين العديد من مناضليه، وسادت فردانية متحكمة في عملية ممنهجة لإقصاء وتهميش أطر وطاقات الحزب مما انعكس سلبيا على أدائه العام. وأضافت المذكرة على أن الانضمام إلى "G 8 " كان بعيدا عن قرار أجهزة الحزب ومرجعيته الفكرية والسياسية، مما أثار استنكار مناضلي ومناضلات الحزب هذا السلوك المشن إلى أدبيات وإيديولوجية الحزب، الشيء الذي تم بموجبه تعليق اجتماعات المجلس الفيدرالي لما يفوق السنة.
...وكما جاء في الندوة المنعقدة التي عرفت حضورا متميزا عن سوء تدبير مالية الحزب من حيث غياب الشفافية والحكامة في التدبير وإغراق الحزب في المديونية ......مما أثار عدة تساؤلات كبرى التي قد ينجر عنها الافتحاص من لدن المحاكم المالية....
الانتفاعيون يحولون مؤتمر الملاءمة إلى مؤتمر فعلي للتصفية !!
انعقد مؤتمر استثنائي لملائمة القانون الأساسي والقانون الداخلي مع القانون الجديد للأحزاب السياسية، وفقا للمذكرة التوجيهية التي أعدها مكتب التنسيق الوطني بتوافق وإجماع كافة الأعضاء، غير أن طريقة تسيير المؤتمر خرج عن طريقه الصحيح فأصبح يتحكم فيه الانتفاعيين بتهيئ المؤتمر على مقاسهم ، بتحويل المؤتمر من بوزنيقة إلى مراكش لأسباب غامضة، ...وأشار بيان الاستقالة إلى الافلاس التنظيمي وموت الفروع التابعة التي تم تأسيسها منذ سنة 2010  بشكل جعل الحزب يعاني من شلل حقيقي.
وبالتالي فإن هذه الاستقالة الجماعية هل هي بداية لتأسيس البديل أم نهاية أم موت الأم الأصلية، أم أن هذه الظاهرة هي ظاهرة طبيعية وصحية تعرفها الأحزاب السياسية أي ظاهرة الشردمة أو الانقساميةأو الانشطار، وذلك ما يمكن الوقوف عليه.
كيف يتحول الخوف من الانشقاق إلى مصادر لإنتاج الانشقاق، والخوف الشديد على وحدة الحزب إلى مصدر لتهديد وحدة الحزب أم انه المنطق الميكانيكي الجامد لمفهوم الوحدة الحزبية.
للإلمام بالطاهرة التي تعرفها الأحزاب السياسية المغربية، يمكن الانطلاق من التساؤلات التالية:
هل الانشقاقات الداخلية للأحزاب المغربية ناتجة عن خلافات في التوجهات السياسية والفكرية بين الأعضاء المتنافسين ؟ أم نتيجة ضغوط خارجية من القصر أو من وزارة الداخلية؟ أو نتيجة طموح شخصي؟أم هي طاهرة لكل موعد انتخابي ينتج عنها انشطار؟هل يجب دائما إدراك الصيرورة المتواترة لانشقاقات المجال الحزبي باللجوء إلى مفاهيم''التعددية الاستبدادية،أو إلى التفسيرات النابعة من ثقافة سياسية جزيئية من التراث''الغير منمدح في العالم العربي؟أم الانشطار بند أساسي لاستمرار النسق الحزبي؟
   إن  استعراض أهم الانشطار الحزبية كجزء أساسي في تاريخ الأحزاب السياسية، فهده الأخيرة واجهة لحطة الانشقاق بكل ما تمثله هده اللحظة من صراعات وأزمات واهتزازات تمس الكيان الحزبي ودرجة قوته وحضوره في النسيج الاجتماعي والمشهد السياسي والمؤسساتي ، وذلك لتنازع المصالح في مابين القياديين داخل النسق الحزبي نظرا لغياب الديمقراطية الداخلية وعدم وضوح إيديولوجية كل حزب سياسي.
الانشقاق (الانشقاقات ذات المرجعية الانقسامية.،الانشقاقات ذات المرجعية الانفعالية(الاديولوجية)، الانشقاقات ذات المرجعية المدبر). الشردمة الانقسام كلها مرادفات للحقل الحزب السياسي المغربي إنها أطروحة تنطلق من محاولة فهم وتفسير ظواهر سياسية جديدة في المغرب، توصلت إليها الأبحاث السوسيولوجيا الكولونيالية، حيث نرى أن المجتمع المغربي مرتبط بثقل الماضي، لازالت ممتدة بقوة في هياكل التنظيمات والممارسات السياسية أو الحزبية التي لن تستطيع الانسلاخ عن الأشكال التقليدية (قبيلة،عشائرية..)،وقد قدم السوسيولوجي ''إيفانس بريتشارد '' خدمة علمية لـ ''إيميل دوركايم''واضع النظرية بوضعها على المحك من خلال تطبيقها على المجتمعات شمال افريقيا (قبائل النوير...) ليأتي بعد ذلك الأنتروبولوجي الأنكلوساكسوني ''ارنست كيلير'' ويضع هذه النظرية محل تطبيق على منطقة الأطلس الكبير الأوسط، ثم دراسة أخرى''الصلحاء  في الأطلس الكبير''.
وفي هذا المنوال نفسه، جاءت دراسة أخرى لـ''WATERBURY '' حيث اعتبر أن النخب المغربية يحكمها دائما منطق القبيلة والميل الشديد إلى الدسائس والمناورات، لكن كلما كان هناك شعور بتهديد خارجي توحدت هذه النخب فجأة. وما الأحزاب والجمعيات والنقابات إلا فروع تجزيئه تختلط فيها الانقسامية الحديثة، واستحضار وظيفة الولي الصالح في البنيات القبلية.
ومن هذه النظرية وقع ما وقع للأحزاب السياسية المغربية من الانشقاق الذي أخذ وقتا طويلا واستدعى الانتظار حتى سنة 1966 ليقطع أحرضان علاقته بعبد الكريم الخطيب وتوالت هذه الظاهرة في الأحزاب إلى حد الآن، من المنطق إذا غابت الديمقراطية الداخلية للأحزاب فإنه من الممكن وليس من المستحيل أن يتأثروا الفاعلين بصورة مرضية لأحزابهم سرعان ما تؤدي بهم إلى ظهور انقسامات في اختلاف المواقف، والاديولوجيات لكل فاعل داخل المنظومة الحزبية،
لذا فتاريخها هو تاريخ الانقسامات وتحالفات وصراعات، وما من موعد انتخابي إلا ويعرف المشهد الحزبي ولادة حزب أو أكثر، وبالضبط من رحم الأحزاب أخرى وبإيعاز من السلطة في غالب الأحيان، فالانشطارية هي التي تؤمن للنسق استمراره تحكمه في قواعد اللعبة ، فالملاحظة بقوة أن الثقافة الانقسامية جد متجددة في المجتمع المغربي، وهي نتاج ممارسة وتاريخ طويل وبذلك يصير التصدع الحزبي عقابا لأظافر الأحزاب التي لاحترم قواعد اللعبة  وتحاول تحقيق مطامحها خارج الدائرة التي رسمها لها الحزب قبلا، كما يكون محاولة لإعادة التوازن السياسي للنسق وتحجيم بعض القوى الصاعدة. ولقد كان من الضروري أن ينتبه المخزن مبكرا إلى أهمية اختيار التعددية السياسية كعنوان بارز للممارسة الحزبية بالمغرب وتقويتها، والعمل على تشجيع الانقسام والانشطار تلافيا لأي مزاحمة.

باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
بكلية الحقوق أكدال –الرباط