الأربعاء، 18 يناير 2012

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: الإشكالية الدستورية للنظام الداخلي له بين المحكمة الدستورية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
بوجعبوط المصطفى(*)
يعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي مؤسسة دستورية، وهي هيئة تمثيلية لعدد من القطاعات المهنية والاجتماعية والاقتصادية، كما أنها هيئة استشارية تعمل على تقديم مقترحات وآراء واستشارات للسلطتين التنفيذية والتشريعية. فإن هذا المولود الدستوري الجديد لم يعرف النور إلا بعد حوالي 17 سنة، أي بعد مخاض عسير وتجربة من المجالس الاستشارية الأخرى كمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ومجلس الوطني للشباب والمستقبل...إلخ.
وبالتالي، فإن هذا المجلس خضع لتفكير معمق في القضايا الإستراتيجية ذو طابع اقتصادي واجتماعي وبيئي، لخلق فضاء للتشاور بين مختلف الفاعليين الاقتصاديين والاجتماعيين في ما يخص الأهداف التنموية للمغرب في مجال السياسات العمومية في بلورة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وإذا كان المجلس سيستجيب لمتطلبات الواقع ويلبي انتظارات الفرقاء الاقتصاديين ويساهم فعلا في تطوير وتحقيق العدالة الاجتماعية، فمن الضروري أن يكون المجلس يتميز بالسمو والفعالية والنجاعة في تدبير الخلافات لبلورة مردودية على مستوى إعداد التقارير والدراسات والاستشارات للفاعليين الرئيسيين وفق ما جاء به القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، غير أن هذا القانون يكتسي أهمية كبرى في مجال النهوض بالتنمية المنشودة من جهة، ومن جهة أخرى، موسوم ببعض الإشكاليات التي يمكن الوقوف عليها وفق الملاحظتين الأساسيتين التاليتين:
الملاحظة الأولى : تتجلى بالأساس حول أهمية الكبرى للقانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي من خلال دعمه ثقافة التشاور والحوار والتقارب بين مختلف الفرقاء والدور الطلائعي الذي يتمثل في المشاورة وإبداء الرأي للحكومة والبرلمان، ذلك ما بينه القانون التنظيمي رقم 60-09 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي الصادر في 5 مارس 2010. ونظرا لهذه الأهمية التي جاء بها القانون التنظيمي اختلفت الرؤى حول مستقبل هذا المجلس في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقليمية حسب آراء مختلف الفاعلين. وذلك ما نوضحه وفق المداخل التالية.
المدخل الأول : إن الملاحظة الجوهرية في مضامين القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعية، يتبين أن هذا القانون جاء في ظل محيط إقليمي وجهوي ودولي جد متميز، حيث أن جل الدول أصبحت لها هذه المجالس كإسبانيا والجزائر... دون الحديث عن دول أوروبا. وبالتالي فإن هذا القانون الصادر بالجريدة الرسمية عدد :5820 متضمنا عدة صلاحيات استشارية لدى الحكومة ومجلس النواب ومجلس المستشارين بالإدلاء برأيه في الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين وتحليل الطرفية وتتبع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والجهوية والدولية وانعكاساتها، بالإضافة إلى ذلك يقدم المجلس اقتراحاته في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وتدعيم التشاور والتعاون بين الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين وإنجاز الدراسات والأبحاث في الميادين المرتبطة بممارسة صلاحياته.
وعليه، تضمن القانون التنظيمي للمجلس تركيبته من رئيس معين بظهير شريف و99 عضوا موزعين على عدة فئات مكونة من فئة الخبراء البالغ عددهم 24 عضوا وفئة ممثلي النقابات الأكثر تمثيلا للأجراء بالقطاع العام وبالقطاع الخاص البالغ عددهم 24 عضوا، وفئة الهيئات والجمعيات المهنية التي تمثل المقاولات والمشغلين العاملين في ميادين التجارة والخدمات والصناعة والفلاحة والصيد البحري والطاقة والمعادن والبناء والأشغال العمومية والصناعة التقليدية البالغ عددهم 24 عضوا، وفئة الهيئات والجمعيات النشيطة في مجالات الاقتصاد الاجتماعي والعمل الجمعوي البالغ عددهم 16 عضوا، وفئة الشخصيات التي تمثل المؤسسات والهيئات البالغ عددهم 11 عضوا. فجل الأعضاء معينين لولاية مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وبالتالي فإن القانون التنظيمي للمجلس خضع لأراء مختلفة للفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين، كما سنبينه في المدخل التالي.
المدخل الثاني : يعتبر القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي القاعدة الأكثر تداولا في التشريعات الأجنبية المماثلة، وبالتالي لا أحد يجادل في الأهمية البالغة له، مما اعتبره البعض أنه سيعزز العمل البرلماني في تعميق النقاش والحوار في المواضيع ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والبيئي، وإبداء رأيه في مشاريع ومقترحات القوانين التي تضع إطار للأهداف الأساسية للدولة في الميادين السالفة للذكر، ومساهمته في مشاريع مخططات التنمية ومشاريع الإستراتيجيات المتعلقة بالسياسات العامة في المغرب. و ما دعا البعض الآخر إلى تجاوز الحالة التي وصلت إليها بعض المجالس الاستشارية التي ظلت جامدة وفشلت في تدبير الأغراض الذي نشأت لأجلها. وبالتالي من هنا يمكن فتح نقاش مستقبلي وذلك انطلاقا من إمكانية معرفة الجزء لفهم الكل، أي إستراتيجية الدولة في إنشاء المجالس الاستشارية. هل هي إستراتيجية الجيل الجديد من الاستشارة المؤسساتية لبلورة الحوار الاجتماعي الجاد بين الفرقاء؟ أم أن كل مجتمع يفرز مؤسسات لاحتواء الصراعات التي قد تهدده بالانفجار (كامو) أو ما قاله "جورج كليمانصو "إذا أردت أن تتلخص من مشكلة فما عليك سوى أن تخلق لها لجنة.
الملاحظة الثانية : الإشكالية الكبرى للقانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي وما تولد عنه في النظام الداخلي للمجلس أمام المحكمة الدستورية، التي يمكن الوقوف عليها وفق المداخل التالية:
المدخل الأول : يتجلى في ثلاثة إشكاليات أساسية وهي على النحو التالي:
الإشكالية الأولى: وليس من باب العرف أن نعتبر أن جل القوانين التنظيمية غير متضمنة للديباجة، وبالتالي هذا العرف هو السند للمجلس الدستوري في عدم منح ذلك.
الإشكالية الثانية : تتجلى في المادة الثانية والثالثة من صلاحيات المجلس أي توسيع مجال اختصاصات المجلس ليمتد إلى الميادين الثقافية والبيئية، إن هذه الصلاحيات لا تنسجم مع روح الوثيقة الدستورية لسنة 1996 مادام القانون التنظيمي صادرا في سنة 2010، وهذه الإشكالية تجد سندها أن زيادة مجال البيئة ضمن ميادين المجلس أدى بالمشرع الفرنسي بتاريخ 2008- 724 المؤرخ في 2" يوليوز 2008 بتعديل الدستور في شأن زيادة عبارة "البيئة" في الباب الحادي عشر حيث أصبح متضمنا العنوان التالي "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. وبالتالي تكون هذه المواد مخالفة للدستور في ظل دستور 1996 وسليمة في ظل الدستور 2011.
الإشكالية الثالثة : قد أثيرت من لدن الدكتور مصطفى قلوش حول المادة 37 من القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، فالمادة 37 من هذا القانون تنص صراحة على أنه " تحدد كيفية تنظيم وتسيير المجلس وأجهزته بموجب نظام داخلي، يضعه المجلس ويقره بالتصويت. ويحال إلى المجلس الدستوري للبت في مطابقته لأحكام الدستور ولأحكام هذا القانون التنظيمي". غير أن ما أقره المجلس الدستور ي في قراره رقم 786-2010 يخالف الدستور شكلا ومضمونا وذلك من خلال الفقرة الثانية من الفصل 81 من دستور 1996 حيث تحال للمجلس الدستوري وجوبا القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية ، أي أن دستور 1996 بين أنظمة مجلسي البرلمان فقط هي التي تحال وجوبا على المجلس الدستور مع العلم أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي تم إدراجه في دستور 1992، وبالتالي فالمشرع كان واضحا وضوح قراءة الفقرة السالفة للذكر. فالمراد من ذلك هي لا وجوبية إحالة النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي على المجلس الدستوري، وإذا افترضنا أن هناك فلتة أو هفوة فلماذا لم يتم التنصيص على وجوبية إحالة النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في ظل الدستور الجديد وخاصة في الفقرة الثانية من الفصل 132 على ما يلي: " تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور".
وعليه، من باب ملاحظة تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول مشروع القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، الجزء المتعلق بنتائج التصويت على تعديلات الفرق النيابية وعلى مواد المشروع والمشروع برمته أن المادة 37 تم التصويت عليها بالإجماع كما جاءت. أما إثر المناقشة العامة للمشروع " أضاف السيد الوزير أن مسألة النظام الداخلي تعتبر فكرة واردة وتجد سندها في المادة 81 من الدستور".
بناء على هذا، فإن الأمر ليس كذلك فإن قراءة الفصل 81 من الدستور يخالف الرأي القائل أن النظام الداخلي يجد سنده في هذا الفصل، وبالتالي فإن قرار المجلس الدستوري في شأن النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي يخالف دستور 1996 ويخالف دستور 2011.
المدخل الثاني : تسليط الضوء على عدم دستورية جملة من المواد من النظام الداخلي للمجلس من خلال قرار المحكمة الدستورية رقم 811-2011 الصادر في 4 ماي 2011.
ما يثير انتباه قرار المجلس الدستوري من خلال ديباجته أثناء النظر في دستورية النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي غير معللة أو مسببة بنصوص كما هو الحال أثناء صدور النظام الداخلي للمجلس النواب في قرار رقم 561-2004 وقرار النظام الداخلي لمجلس المستشارين، وبالتالي قرار المجلس الدستوري الذي جاء متضمنا العبارة التالية:" وبناء على القانون التنظيمي رقم 93 -29 المتعلق بالمجلس الدستوري الصادر في 14 من رمضان 1414 (25 فبراير 1994)، كما وقع تغييره وتتميمه". الذي يكون به المجلس الدستوري غير مقيد بمضمون وفحوى الفقرة الثالثة من المادة 16 من القانون التنظيمي للمجلس الدستوري التي تقر ما يلي: "ويجب أن تتضمن في ديباجتها بيان النصوص التي تستند إليها وأن تكون مسببة وموقعة...".
ومن تبين له أن هذه المبارزة العلمية لا تجد حجيتها وسندها، فللننا قشة من زاوية أخرى من خلال مقارنة ديباجة الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان في كل من القرارات التالية مثلا : قرار رقم 213-98 و 561- 2004 ، نجد فرقا بين كل من هذه الديباجات ، فكلاهما تنصان على ما يلي:" وبناء على القانون التنظيمي رقم 93- 29 المتعلق بالمجلس الدستوري، كما وقع تغييره وتتميمه، خصوصا الفقرة الثانية من المادة 21 منه؛" فهذه العبارة الأخيرة لا نجدها ضمن تعليل وتقيد المجلس الدستوري في ديباجته أثناء صدور قرار رقم 811- 2011. أي عدم مراعاة المجلس الدستوري المادة 21 و حتى 24 من القانون التنظيمي له.
أما مضمون قرار رقم 811-2011 بعد دراسته للنظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي قضى من خلاله أن المواد التالية، الفقرة الثانية من المادة 5 والفقرة الثانية من المادة 6 والمادة 14 و58و80 غير مطابقة للقانون التنظيمي مع مراعاة التفسير الوارد بشأن المادة 56.
وفي الخلاص ، فإن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يشكل لبنة أساسية في نظام المؤسسات الدستورية المغربية مما لها من مكانة عالية تتبوأ بها جل الدول التي تعرف الانتقالات الديمقراطية، وبالتالي فإن هذا المولود سيخلق فضاء مستقل وحر للنقاش مع مختلف الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين لتوحيد الرؤى والنهوض بثقافة السياسات العمومية في أبعادها التنموية القائمة على منظق النتائج والمحاسبة. غير أن التأصيل الفقهي للقانون التنظيمي للمجلس وما انجر عنه من قرارات من لدن المحكمة الدستورية يلاحظ من خلالها أن هناك هوة شاسعة بين الإلزام والالتزام بتراتبية واحترام مقتضيات القانونية التي يتبوأ في الدستور المكانة السامقة. إذا انطلقنا من المادة 37 من القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي فإننا نصل إلى كلمة مفادها، أن هذا القانون التنظيمي غير دستوري.
(*) باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.الرباط –أكدال