السبت، 22 يناير 2011

حقوق الإنسان في النظام السياسي التونسي من خلال تقارير وزارة الخارجية الأمريكية



حقوق الإنسان في النظام السياسي التونسي من خلال تقارير وزارة الخارجية الأمريكية
1999-2009

بوجعبوط المصطفى (*)
إن العوامل المميزة لتقارير وزارة الخارجية الأمريكية أنها تتقاسم مع تقارير المنظمات غير الحكومية صفتي الانتظامية والدورية،وتختلف معها من حيث مساطر إعدادها وتعدد الفاعلين المساهمين فيها وفي مسار توظيف الخلاصات التي تكون غير موجهة أساسا إلى الرأي العام ولكن لصانعي القرار في الدرجة الأولى، التي تكون بموجبها هذه التقارير أداة لتقييم أداء الحكومة في مجال حقوق الإنسان، وبالتالي فإن انهيار النظام السياسي لرئيس زين العابدين هو شيء طبيعي جدا بالنسبة للمجتمع التونسي ودرسا للأنظمة السياسية التي تتخذ نفس المنوال، ودرسا آخر لتحقيق أطروحة جون فوران حول "The Future of Revolutions :Re-thinking Radical Change in Age Of Globalization(ed .,2003)..
وبالتالي فإن دراسة تقارير وزارة الخارجية الأمريكية مابين 1999-2009 تقر على أن الجمهورية التونسية تعرف مجموعة من التناقضات تظهر من خلال و جود تشريعات قانونية مهمة في مجال حقوق الإنسان، غير أن الممارسة الفعلية تبين كذلك وجود خروقات لهذه القوانين، الشيء الذي جعل تونس تصنف ضمن الدول التي تعرف تدهورا في مجال حقوق الإنسان، بفعل ممارستها للتعذيب في المعتقلات السرية ومراكز الشرطة والسجون، بالإضافة إلى ارتفاع نسب الاعتقالات التعسفية على نطاق واسع بشكل ممنهج من لدن أجهزة الدولة في شأن القضايا ذات الصبغة السياسية والمدافعين عن حقوق الإنسان، كما ترفض الحكومة التونسية تأسيس وسائل الإعلام الناقدة الشيء الذي جعلها تسيطر على الفضاء الإعلامي و العمليات الانتخابية وتوظيف قانون الإرهاب في المحاكمات العادية.
ويمكن الوقوف على الأسباب البنيوية لنهاية حكم نظام "زين العابدين بنعلي"وفق المداخل التالية:
المدخل الأول:عدم احترام كرامة الأفراد رصدت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية بتزايد عدد القتلى في الجمهورية التونسية إثر المعاملة القاسية لقوات الشرطة وحراس السجون أثناء القبض و احتجاز الجناة في الحجز، الشيء الذي أدى إلى وفاة معظم الجناة في الحجز دون محاكمتهم، كما أن السلطات الحكومية لم تتخذ أي إجراء متابعة في حق أفراد قوات الأمن الذين انتهكوا كرامة الأفراد خارج نطاق القانون، و حرمان بعض الأشخاص من الحق في الحياة على نحو غير قانوني، نتيجة استعمال القوة المفرطة للسلطة والاعتقال في مراكز حجز الشرطة أو التعذيب على يد حراس السجون.
كما قدمت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية قائمة أسماء الأشخاص الذين توفوا بعد احتجازهم، وآخرين لم يتم التحقيق في وفاتهم من لدن الحكومة التونسية كل سنة موضوع التقرير.
سجلت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، أن التعذيب في تونس ظل متفشيا اتجاه الأفراد العاديين و المتهمين في قضايا الإرهاب، و تحديدا اتجاه أفراد منظمات حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون لأبشع المعاملات القاسية أثناء احتجازهم، حيث يخضع المتهمون للحجز الانفرادي لعدة أسابيع و قد تتجاوز مدة الاحتجاز شهور و يتم منع أهلهم من زياراتهم، وبالتالي يتعرضون إلى التعذيب بمختلف أنواعه (الصعق بالكهرباء، غمر الرأس في الماء، الحرق بالسجائر، الحرمان من النوم، تعليق السجين من القدمين والضرب بشدة على باطن القدمين،استخدام الاعتداء الجنسي ...)، لانتزاع معلومات و الاعتـرافات تستخدم كأدلة للإدانة.
كما رصدت التقارير على تمييز الحكومة بين المعارضين و السجناء الإسلاميين، حيث يتعرض الإسلاميون إلى معاملة قاسية خلال القبض عليهم، و تعاقب زوجاتهم للضغط عليهم و انتزاع اعترافاتهم، وبالتالي لم تتخذ الحكومة أية خطوة للتحقيق و معاقبة الجناة إلا في حالات نادرة، كما أنكرت الحكومة نتائج الفحوصات الطبية التي أقيمت للأشخاص الذين تم تعذيبهم في مراكز وزارة الداخلية.
المدخل الثاني:تدهور حرية التعبير و الصحافة يمنح الدستور التونسي حرية محدودة للتعبير والصحافة، لكن السلطات الحكومة من خلال تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، لم تحتـرم عموما هذه الحقوق في ممارستها على مستوى الواقع، حيث قيدت بشكل واسع حرية الصحافة، وعملت على ترهيب الصحفيين ورؤساء التحرير، كما قامت أيضا بتعديل قانون الانتخابات لمنع المواطنين من الحديث عن السياسة الوطنية في الإذاعة والقنوات التلفزية الأجنبية.
وبالتالي، تعتبر تونس من الدول التي تواجه فيها الصحافة مجموعة من التعقيدات المهنية و القيود السياسية، فكل من رفع صوته لممارسة هذه المهنة، إلا وتعرض لمواجهة تنتهي به في السجن، لذلك تبقى تونس من خلال تقارير وزارة الخارجية الأمريكية ــ التي تمت دراستها ــ تحتل الصدارة على مستوى قمع الصحفيين الذين ينتقدون الرئيس وسياسة الحكومة، كما تعمل الحكومة على حجب المواقع الالكتـرونية الناقدة لسياستها، مثل إغلاق المواقع التابعة "لجماعات حقوق الإنسان الدولية"وموقع "يوتيوب"، فبالرغم من كون القوانين التونسية تنص على احترام مجموعة من الحريات والحقوق الصحفية، فإنها كذلك تتضمن سلسة من القيود المفروضة على التغطية الإعلامية، بما في ذلك "الإساءة إلى الرئيس" و"الأخبار الكاذبة عنه"، و بالتالي يمكن القول أن تونس استعملت هذه القوانين للسيطرة على مختلف وسائل الإعلام .
لقد سجلت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية خلال سنوات الدراسة نوعا من التطويق الذي يُمارس على الصحافة التونسية وحجز عدد كبير من الصحف و تعرض الصحفيين للضرب والتعذيب من لدن الشرطة كـ (حالة الصحفي "سليم بوخضير " 2004 و "توفيق بن العياشي" 2006 و "عبد الله الزواري" 2003 و"محاكمة الأفراد الذين يعبرون عن آراءهم المخالفة للسياسة الحكومية"، الأمر الذي أدى بهم إلى الموت، و في حادث آخر أطلق رجل شرطة النار على مراسل جريدة "لوموند" "بن فضل رياض" إثر نشره مقال ينتقد فيه رئيس الدولة، فيما اتهمت الحكومة الصحفي "توفيق بن بريك" بالتشهير الذي تعرض بسببه لتخريب سيارته أثناء نشر كتاب جديد ينتقد الحكومة، كما تم اعتقال "سهام بن سدرين" أثناء قيامها بتعليقات تحمل انتقادات للحكومة.
وفي هذا السياق استمرت الحكومة في التقارير الموالية في سيطرة على قطاع الصحافة والإعلام و سنّت تشريعات جديدة تحد من حرية الصحافة وتفرض رقابة أمنيّة على الصحفيين الأجانب وعلى المواطنين الذين يتحدثون مع الأجانب وخاصة مراقبي حقوق الإنسان الدوليين و كذا الصحفيين، و منعتهم أحيانا من دخول التراب التونسي، كحالة: (رفض الشرطة دخول الصحافي "جان بيير" إثر نشره كتاب ينتقد فيه النظام السياسي التونسي) ، كما بادرت الحكومة في عدة مناسبات برفض السماح لمنظمة العفو الدولية بتوزيع الكتب المدرسية في مجال حقوق الإنسان، و مُنع أيضا الصحفيون من تناول المواضيع الدولية والقضايا الوطنية الحساسة مثل: "فيضانات 2003" و "إضراب المعلمين"، كما واصلت الحكومة الضغط على الصحف لكي تنشر رواية وكالة الأنباء التونسية، وفرضت رقابة مشددة على تراخيص الصحف الجديدة و البطاقات الصحفية كحالات: (لطفي حجي، عبد اللطيف الفرتاني، صلاح الدين الجورشي ومحمد الفراتي)، ووسائل الإعلام القائمة على البث .
بالإضافة إلى ذلك، سجلت التقارير مجموعة من الاعتداءات والمضايقات التي تعرض لها الصحافيون المدونون التونسيون التي أدت بمعظمهم إلى دخول السجن، حيث تم اعتقال مراسل الجزيرة "لطفي حجي "و اثنين من الصحفيين العاملين في قناة الحوار، والممثل الكوميدي "الهادي أولاد باب الله"و " محمد عبو"، فيما تمت محاكمة "نايلة حشيشة" و "سليم بوخضير"و"محمد الفراتي"و"علي اليحياوي "بأربع سنوات سجنا، والحكم على الصحفي المستقل "زهير مخلوف" وحكمت المحكمة غيابيا على الصحفي "فهيم بوقدوس"و تم إلقاء القبض على "فاتن الحمدي"...
ونتيجة لهذا، فإن القضاء التونسي يفتقد لعنصر الاستقلالية حيث يخضع إلى ضغوطات السُلط الأخرى، وعليه فإن الحكومة التونسية تستعمل القضاء للتصفية معارضي السياسة الحكومية وبالأخص وسائل الإعلام، لذلك فإن فقدان استقلالية القضاء ما هي إلا غياب للدور الطبيعي لدولة القانون. وبالتالي، فإن الحكومة التونسية تمارس الرقابة المشددة على حرية التعبير والصحافة وجل المنشورات الداخلية والخارجية، حيث تسيطر السلطات التونسية على كل من يتحدى الرئيس والوزراء و المسؤولين، حتى لا يتمكن أحد من انتقاد سياستهم الحكومية، وعلى الرغم من ذلك ظهرت أصوات قليلة على الشبكة العنكبوتية والمنشورات الأجنبية التي تتزعمها المعارضة في انتقاد محتشم للسياسة الحكومية الذي تتعرض بدورها للمضايقات والتهميش من قبل الجمهورية التونسية على عكس حرية التعبير والصحافة في المغرب.
مدخل الثالث::حرية الانتخابات والمشاركة السياسية
ينص الدستور في تونس على أن المواطنون ينتخبون الرئيس وأعضاء المجلس التشريعي لمدة 5 سنوات، غير أن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية سجلت أن هذه الانتخابات عرفت تجاوزات من قبل السلطة فيما يخص السرية في بعض الحالات وإقصاء المعارضة في مختلف الوسائل اللوجستكية المسموح تداولها من المواطنين، سواء تعلق الأمر بتنظيم الندوات أو استعمال وسائل الإعلام في الحملات الانتخابية.
و ابتداء من تقرير سنة 1999 الذي سجل إعادة انتخاب زين العابدين بن علي لولاية ثالثة، حيث فاز بحوالي 99,44% من الأصوات أي بمعدل 148 مقعد لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم كآخر ولاية بالنسبة لمنصبه في الرئاسة ، ثم عين الرئيس مجموعة مستقلة لمراقبة الانتخابات التي أعدت تقريرا سريا للرئيس حول العملية الانتخابية، الشيء الذي جعل الانتخابات تتعرض للانتقادات من لدن المعارضة باعتبارها انتخابات كان محسوم في نتائجها مسبقا، وباستعمال نمط الاقتـراع السري، الذي أدى إلى حدوث التزوير واستعمال آليات أخرى للسيطرة على المعارضة من خلال الدعم المالي.
كما رصد تقرير سنة 2002 مجموعة من التعديلات التي لحقت الوثيقة الدستورية، و يتعلق الأمر بكل من الفصول 83 و76 الشيء الذي جعل العديد من المراقبين ــ حسب التقرير ــ يؤكدون على أن ".. هذه التعديلات كانت محاولة لتمكين الرئيس العابدين بن علي من البقاء في منصبه... " مما دفع العديد من زعماء المعارضة إلى القيام باحتجاجات حول استفتاء 2002 الذي عدل نصف الدستور و يشككون في شرعية التعديلات التي قام بها الرئيس لإعادة ترشيحه من جديد، كما أن قانون الانتخابات الذي يضع مجموعة من القيود أمام الأشخاص الراغبين في التـرشح لرئاسة الجمهورية، حيث يتعين على المرشح الحصول على تأييد من لدن 30 نائبا أو رؤساء المجالس البلدية ليكون مؤهلا لذلك.
وبناء على هذه التعديلات التي تبناها الحزب الحاكم فقد واجه الرئيس زين العابدين بن علي ثلاثة مرشحين وحصل على ما يقارب 94% من الأصوات لولاية رابعة، غير أن المرشح المعارض"محمد الحلواني" من حزب التجديد حصل على 1% بعد عملية الفرز الرسمية، وبالتالي رصد تقرير (و.خ.أ) مجموعة من الخروقات التي مارسها الحزب الحاكم على أحزاب المعارضة في الحملات الانتخابية الشيء الذي جعل الحزب الحاكم يهيمن على جل مؤسسات الدولة .
و بالتالي، جاءت التقارير الموالية كي تسجل امتناع الحكومة عن الاعتـراف بإنشاء "حزب الخضر التونسي" منذ 2002 (الذي تم الاعتـراف به2007)، و"حزب النهضة الإسلامية" و"حزب البيئة السياسية "و"حزب تونس الخضراء".
ونتيجة لهذه المداخل يمكن الوصل إلى الخلاصات التالية:
الخلاصة الأولى: أن السلطات التونسية تمارس التعذيب طيلـة السنوات التي تم رصدها من خلال تقاريروزارة الخارجية الأمريكية و تزج بالمعتقلين في الحجز الانفرادي تمنعهم من الاتصال بمحاميهم وتقيد حقهم في الدفاع، كما أن السلطات التونسية تركز على كل أشخاص الذين ينتمون إلى الجمعيات المدافعة على حقوق الإنسان وأنشطة الأحزاب السياسية المعارضة.
الخلاصة الثانية: إن الجمهورية التونسية تواصل حملات على نطاق واسع للحد من أنشطة دُعاة حقوق الإنسان أو كل من له صلة أو قرب بأنشطة مشبوهة للتوجهات السياسية للدولة، بالإضافة إلى ذلك، لم تتمكن الحكومة التونسية من إرضاء مواطنيها في تقديم الشكاوى مدعومة بالفحوص الطبية ضد أفراد الشرطة.
الخلاصة الثالثة: إذا كانت الانتخابات في تونس لهما نفس الخصائص في الجزائر في إعادة انتخابات الرئاسية على المدى الطويل، ذلك أن الحزب الحاكم يسيطر على جل مؤسسات الدولة من خلال الوظائف السياسية الذي يمتاز بها الحزب الحاكم وتتعاون السلطات الحكومية معه في خرق المقتضيات القانونية أثناء الانتخابات الرئاسية نتيجة التعديلات الدستورية المتكررة لتمديد فترة الرئاسة وإجراء الانتخابات بدون منافسة المرشحين الآخرين الذين يتم منعهم من جميع الوسائل اللوجستيكية ومن تنظيم الدعاية الانتخابية.
الخلاصة الرابعة: فرض قيود على المرشحين المنافسين حتى لا يتمكنوا من منافسة الرئيس، فالسلطات التونسية تمنع مراقبة العمليات الانتخابية و تخصص كل وسائل الإعلام الحكومية في الترويج لانجازات الرئيس (بن علي) بصفته رئيسا للدولة وليس مرشحا كباقي المنافسين له، كما يُعين وزير الداخلية ليكون مسؤولا عن الحملة الانتخابية للرئيس و مسؤولا على تقييد حركة منافسيه.
وبناء على هذه الخلاصات فإن عدم فهم الحكومات مضامين وحيثيات تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في تصحيح الهفوات فبدون شك، أن مصيرهم من لدن "الطريق الثالث" الذي تمثله الحركات الاجتماعية سيؤكد عودة الثورات الاجتماعية كما عرفها التاريخ في التغيير الاجتماعي الذي لا يمكن أن يكون بمعزل عن العملية السياسية المسيطرة على المجتمع. ولذلك فإن الثورة الاجتماعية تتبعها دائما الثورة السياسية، أي أنها تؤثر على العملية السياسية المسيطرة على المجتمع،وبالتالي الثورة مازالت فكرة مناسبة لتحليل عالمنا المعاصر حسب(John Foran).
طالب باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.الرباط –أكدال
.