بوجعبوط المصطفى
باحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال الرباط.
تعد موجة العدالة انتقالية فن السياسة الحقوقية الجديد لما
بعد الحرب الباردة، اعتمدته اغلب الأنظمة السياسة الديكتاتورية الشمولية والعسكرية
للخروج من الحروب الأهلية والصراعات حول السلطة لأجل بناء الدولة والمجتمع عبر
مداخل العدالة الانتقالية. غير أنها لازالت لم تجد طريق أجرأة مبادئها وفق آليات
ومواثيق دولية بسبب عدم التزام الأطراف في تنفيذ آلياتها بالشكل الذي يرضي
الضحايا.
1. ماذا تعني لك العدالة الانتقالية.
للعدالة الانتقالية عدة تعاريف وتختلف من تجربة إلى
أخرى، وباختلاف تعاريف كتاب ومفكرين أجانب أمثال Martina Fischer و Ruti G Teilel و Pablo de Greiff ....وتختلف من وقت إلى
آخر، غير أنهما في نهاية المطاف، ماهي إلى نتاج تراكم تجارب العدالة الانتقالية
التي تتسم بآليات ومبادئ ومفاهيم جديدة لأجل النظر في ماضي الانتهاكات الجسيمة
لحقوق الإنسان، بكل حرية وإنصاف لبناء دولة القانون والحق وضمان الاستقرار والسلام
في الأنظمة السياسية بشكل متوازن في إطار الانتقال الديمقراطي التشاركي بين مختلف الفاعلين
والمتنازعين وغيرهم لتحقيق العدالة والإنصاف وجبر الأضرار والحفاظ على الذاكرة
الجماعية Social Memory وعدم تكرار الانتهاكات
في المستقبل.
وبالتالي، لا يوجد تعريف نموذجي أو مستقر، إلا أن هناك
بعض الوثائق الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة التي اجتهدت في وضع تعريف لهذا
المفهوم، حيث يشمل مفهوم "العدالة الانتقالية" بالنسبة إلى الأمم
المتحدة على أنه كامل نطاق العمليان والآليات المرتبطة بالمحاولة التي يبذلها
المجتمع لتفهم تركة تجاوزات الماضي الواسع النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة
العدالة وتحقيق المصالحة، وتعد عمليات وآليات العدالة الانتقالية عنصرا بالغ
الأهمية من إطار الأمم المتحدة لتدعيم سيادة القانون.
2. كيف ساهمت العدالة الانتقالية في
التجارب الدولية في استقرار أنظمتها؟
لاحظ معي، فإن التطور التاريخي للعدالة الانتقالية ساهم
بدوره في تطوير تلك الآليات عبر المناظرات السياسية والندوات العلمية وغيرها،
فإنها انتصار لعلم "الانتقالات"، على إثر انهيار القطبية الثنائية التي
أنتجت دول هشة وضعيفة دخل البعض منها في صراعات حول السلطة السياسية Political Power وفق مذاهب سياسية
مختلفة. وسقوط أنظمة عسكرية في العديد من الدول وخصوصا في أمريكا اللاتينية. والتحولات
السياسية في أوربا الشرقية. وذلك ما يستدعي، طرح سؤال حول كيف يمكن الخروج من تلك
الأزمات السياسية والايديولوجيات الفكرية السائدة بين مختلف الفرقاء السياسيين
والمدنيين؟ وذلك، ما انجر عنه اعادة التفكير في تطوير آليات العدالة الانتقالية أي
مأسسة لجان الحقيقة لأجل فض الخلاف وضمان الاستقرار وترسيخ قيم المصالحة الوطنية
ومختلف مبادئها وآلياتها.
3. لكونك دارس لتجارب العدالة الانتقالية، أية تجربة يمكن إعتبارها نموذجية؟
فرغم دراستي
لمجموعة من التجارب لايمكن الجزم على تفضيل تجربة على أخرى لأن دراسة عمق كل تجربة
تجعلك تقول أن التجارب إذا كانت تلتقي من حيث الشكل فإن الجوهر يختلف وذاك
لخصوصيات كل ثقافة اجتماعية للدولة المنشأة للتجربة. ولكن ما يثير الانتباه هو أن
أغلب المؤلفات والكتابات تتجه إلى تجربة جنوب أفريقيا وذلك يعود إلى عالمية الوصول
إلى المعلومة أي اللغة الانجليزية التي اعتمدت في هندسة تقاريرها وجرأة التجربة في
مأسسة قبلية لترسانة قانونية ومؤسساتية للمصالحة والوحدة الوطنية. غير أن تجارب
أمريكا اللاتينية الأرجنتين، الشيلي، البيرو،غواتيمالا...) تكتسي أهمية وتختلف كل
واحدة على الأخرى. وكذلك التجربة المغربية التي تتسم بالخصوصية العربية والاستثناء
في العالم الإسلامي نظرا لجرأة النظام السياسي في تقويم ذاته.
4. ما هي الدروس الأساسية التي يمكن للدول أن تأخذها من تلك التجارب؟
يمكن تلخيص
تلك الدروس من خلال نقطتين:
أولا: الوقوف على مشاكل وصعوبات التي اعترضت
تجارب لجان الحقيقة من الجانب الرسمي وغير الرسمي.
ثانيا: أن الدول المعتمدة لآليات العدالة
الانتقالية للخروج من الصراعات والحروب والتمردات السياسية، لأن تجعل لنفسها
التزام ممأسسا في تفعيل وأجرأة اقتراحات وتوصيات لجان الحقيقة بعد تركها أن تشتغل
وفق استقلالية تامة، والنظر في الملفات التي تشكل خطرا على النظام وأتباعه
السابقيين.
5. نعود إلى المغرب، كيف تقرأ التجربة المغربية من خلال آليات العدالة
الانتقالية؟
تعد تجربة
العدالة الانتقالية المغربية، من التجارب المهمة وذات خصوصيات، سواء تعلق الأمر
للنتائج التي وصلت إليها أو للمسار الذي اعتمدته للنظر في ملف الانتهاكات التي
كانت عبئا على النظام السياسي المغربي على مستوى الخارجي والداخلي. فالتجربة
ابتدأت منذ التسعينيات من القرن الماضي من خلال العفو الملكي على المعتقليين
السياسيين واطلاق صراح ما تبقى من ضحايا الانقلابين العسكريين من السجن السري
بتازمامارت وغير ذلك. وإخراج عدة مؤسسات حقوقية رسمية وغير رسمية وإنشاء وزارة
حقوق الإنسان والتعديلين الدستوريين 1992 و 1996 بالاضافة إلى التوافق السياسي من
خلال حكومة اليوسفي وإنشاء هيأة التحكيم المستقلة سنة 1999 وإنشاء هيأة الإنصاف
والمصالحة سنة 2003.
فالتجربة المغربية اعتمدت على آليات ومبادئ كسائر تجارب
لجان الحقيقة و باختلاف طريقة تدبيرها لبعض الملفات المستعصية من الناحية الرسمية،
وإيمانا على أن النظام السياسي المغربي لايمكن بنائه إلا بعد إرادة المجتمع في
مصالحة مع ماضيه ومع باقي المعارضين للنظام ولأدائه، وبها عمل النظام في محاولة
تفكيك السلطوية عبر مداخل وآليات العدالة الانتقالية.
6. ما هي ايجابيات التجربة المغربية؟
ايجابيتها
تكمن في إنشائها كتجربة عربية وإسلامية واعتمادها آليات دولية للنظر والتحري في
ملف الانتهاكات الجسيمة في المغرب وجبر الأضرار الفردية والجماعية بمشاركة مختلف
الفاعلين ومكونات الحركات الحقوقية. الشيء الذي عرفت من خلاله تأييدا دوليا ومن
مختلف المنظمات والحركات الحقوقية الدولية كتجربة رائدة في شمال أفريقيا التي
تناولت مرحلة من تاريخ الأليم بالمغرب الموشوم بسنوات الرصاص في مخيال المغاربة
بالممارسات اللامشروعة للدولة.
7. هل تم أجرأت آليات العدالة الانتقالية في التجربة المغربية؟
هذا السؤال
يكتسي أهمية وأيعيد النقاش إلى مدى اعتماد والتزام التجارب الدولية لتلك الآليات،
لاشك أن النقاش الدولي الآن يسير في هذا الاتجاه. فالتجارب اعتمدت تلك الآليات في
عدة محطات وأجرأتها، غير أن اكتمالها عرف تعثرات سواء تعلق الأمر بالتعويضات
المادية والمعنوية. فإن اكتمال عمل تجارب لجان الحقيقة في صياغة وهندسة توصياتها،
فإن معظمها أصبح حبرا على ورق حتى وإن نفذ البعض منها، فإنه لازلت لم تجد صدى في
انصاف الضحايا على قدم المساواة. فالتجربة المغربية مما لها من أهمية مجتمعية على
مستوى السياق الحقوقي والسياسي لازال هناك حالات عالقة رغم التنصيص بمتابعتها وكشف
تجلياتها.
8. كيف تنظر إلى آليات الحفاظ على الذاكرة الجماعية؟
إن المغرب
لازال يعرف عدة مشاكل في هذا الاتجاه يتعلق بالإرادة الحقيقة في التعاطي مع هذه
الآلية، فالحفاظ على الذاكرة الجماعية أو الذاكرة الوطنية National Memory تكتسي أهمية ضمن آليات
العدالة الانتقالية، وخصوصا في المناطق التي كانت مسرحا للانتهاكات الخطيرة لحقوق
الإنسان، لإنشاء نصب تذكارية Monument ومتاحف وتخليد ذاكرة
الضحايا عبر تخصيص يوم وطني لذلك وتقديم الاعتذار الرسمي لأجل تقوية ذاكرة الزمان
عبر الأجيال الصاعدة، غير أن هدم المعتقل السري بقرية تازمامارت وإهمال المراكز
الأخرى، كقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف وأكدز وتاكونيت يشكل خطرا وخطورة على عدم
الاهتمام والحفاظ واحترام ذاكرة المكان وذاكرة الضحايا والمجتمع برمته.
9. ما هي مشاكل تجربة العدالة الانتقالية المغربية؟
لاحظ معي، لا
أحد يذكر ايجابية التجربة المغربية ولكنها تجربة لاتخلوا من الانتقادات وقد عرفت
عدة صعوبات واكراهات ومشاكل باشرتها أثناء التحريات الميدانية، وهناك مشاكل ما بعد
إنهاء عملها، غير أن تلك المشاكل لايمكن ان ندرجها ضمن المشاكل المستعصية أكثر مما
هي ارادة النظام السياسي في انهائها، ويمكن ذكر بعض المشاكل وهي كالتالي:
1. اشكالية الكشف عن الملفات العالقة التي تتجلى في 6 حالات رسمية غير أن
حالات الاختفاء القسري تتجاوز 70 حالة، حسب المقاربات الحقوقية.
2. اشكالية تحديد هويات الضحايا أي نحن أمام أغلب حالات تسمى بالضحايا
الافتراضيين "قبور بلا هوية"، واقتصار الجهات الرسمية في تحديد الحمض
النووي لبعض الضحايا بشكل شحيح.
3. اشكالية عدم الاختصاص الذين تضمنته تقرير الهيأة وخصوصا ضحايا تلاميذ
اهرمومو الأحياء منهم الذين طردوا من العمل....
4. اشكالية جبر الأضرار و باقي الأضرار المتعلقة بالتأهيل النفسي والاجتماعي
والصحي...
5. اشكالية الحفاظ على الذاكرة keep the Mimory من خلال تخليده أو
بناء نصب تذكارية بتازمامارت أو غيرها.
6. ما هي وضعية حقوق الإنسان ما بعد تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة؟
هناك قراءات
متعددة للوضع الحقوقي بالمغرب، يجب استحضار البعد الدولي وسياقه بمتغيرات تابعة
للمجتمع الدولي، فالمغرب أمام سيناريوهات متعددة:
أولا: المغرب
أصبح يكتسي أهمية في شمال أفريقيا وتلك الأهمية تعود إلى جرأته في اتخاذ مبادرة
تقويم نفسه، إلى جانب الحركات الحقوقية منذ التسعينيات، ملتزما في عدة محطات بالمواثيق
الدولية وكفاعل دولي جديد من داخل المتغيرات الدولية (محاربة الارهاب، الهجرة غير
المشروعة، محاربة المخدرات، البيئة ....).
ثانيا:
بالرغم من تموقع المغرب ضمن المتغيرات فإن فاعليته جعلته أمام أنظار ومنظار
الحركات الحقوقية الدولية في قراءة ماضيه وتجربته (منظمة العفو الدولية، هيومن
رايتس وتش، ومنظمة مراسلون بلا حدود...). مما جعلته مكشوفا دوليا في هفوات عدم
الالتزام بالمواثيق الدولية في مجال الحقوق والحريات.
ثالثا:
المغرب أمام وضعية حقوقية متداخلة، فإذا كان الصراع Conflict في ما سبق حول السلطة
أو أداء النظام السياسي أي أمام مطالب الحقوق التقليدية (المدنية والسياسية)، فإن
المغرب كسائر الدول التي تعرف هذه المتغيرات بما فيها الاحتجاجات حول حقوق الجيل
الثالث أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية..)، وبالتالي،فإن المغرب أمام تطور فكري
يتسق بالمجتع من خلال مطالبه وثقافته أمام متغيرات خارجية بمختلف الوسائل الحديثة،
إذن نحن أمام تطور الدولة والمجتمع، فلا يمكن أن يتطور المجتمع على الدولة وأمام
هذا الوضع الذي يشكل مخاطر الأوليات الدولة أو المجتمع. فإن المتغيرات تجعل
الأطراف أمام اصطدام أو صراع بمفهوم المنفعة الاجتماعية الذي يترتب عليه بعض
الانتهاكات الحقوقية، ما هي إلا نتيجة مطالب اقتصادية واجتماعية.
7. بناءا على هذا، هل يمكن تأسيس لجنة
الحقيقة مستقبلا؟
لماذا لجنة الحقيقة؟، هذا يعني أن المغرب لم يستفيد من
دروس هيأة الإنصاف والمصالحة.
ولكن ما يجيب إستحضاره، هو أن النقاش العمومي والحقوقي
منه، يدعوا إلى إنشاءها نتيجة تراكمات جديدة، و يجب أن نعلم أن هناك تجارب دولية
أسست اللجنة مرتين، مثل: (أوغندا، أكوادور، شيلي، كوريا الشمالية، اوركواي،
ألمانيا). وبالتالي، فالحركات الحقوقية المغربية تدعوا إلى ذلك، لأجل النظر في
الملفات العالقة التي لم يستطيع المجلس الوطني لحقوق الإنسان بواسطة لجنة المتابعة
النظر في ذلك، وبعيدا على هذا، فإن بعض التجارب الدولية عرفت اخفاقات في النظر في
الجرائم الاقتصادية التي كانت سببا في الصراعات والنزاعات والحروب الأهلية. و نحن
أمام مطالب الحركات الحقوقية الدولية التي تدعوا إلى النظر في الجرائم الاقتصادية وإقرار
مبدأ عدم الافلات من العقاب.
وغير بعيد عن هذا، فإن العالم حاليا يعيش ما يسمى
بمحاربة الارهاب، والمغرب طرفا في ذلك، فمحاربته ينتج عنه انتهاكات خارج نطاق
القانون الوطني والدولي، فمامصير الضحايا الذين ظلموا واعذبوا بدون سند وحجة، من
هنا يطرح نقاش حول المصالحة الوطنية للحركات الاسلامية بينها وبين المجتمع والدولة
على سبيل المثال.


