تقرير منظمة مراسلون بلا حدود حول التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2010 يطرح تساؤلات حول معايير نمذجة الدول؟
بوجعبوط المصطفى (*)
صدر تقرير منظمة مراسلون بلا حدود يوم الأربعاء 20 أكتوبر 2010، الذي طرح تساؤلات غير محدودة.فهذا التقرير قدم مساهمة فعلية حول تصنيف حرية الصحافة في العالم الذي انجر عنه نقاش لدى الرأي العام من خلال الصحافة ومختلف الفاعلين،وبالتالي يعتبر التقرير"بنك المعلومات "نظرا لعدم وجود تقرير مماثل له في مجال تخصص المنظمة.
ونظرا لأهمية هذا الموضوع الذي لازال يتناوله الصحافة من زوايا مختلفة حسب قربها أو بعدها أو علاقتها مع الدولة، فهذا الاختلاف جعلت الرأي العام تختلف رؤيته الموضعية إلى المادة الإعلامية لكونها يتداخل فيه ماهو سياسي وما هو إعلامي .
ونتيجة لهذا، يمكن تقديم مساهمة وخلق نقاش لدى الفاعلين أثناء مساءلة معلومات التقرير من الناحية الأكاديمية وبنائها وفق آليات وأدوات المعروفة في أدبيات العلوم السياسية.
مسائلا التساؤلات التالية:
- ماهو موقع المغرب وبعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط من خلال تصنيف حرية الصحافة؟
- ماهي معايير بناء وتصنيف هذه الدول؟
- هل جمع بعض الأحداث الجزئية كافي لبناء التقرير وترتيب الدول وفقها؟
- هل يمكن أن نعتبر أن تأجيل محاكمة صحفي أو الإفراج عنه مؤشر لانتهاك حقوق الصحافة؟
- هل تكتفي المنظمة برصد أحداث موضوع زمنية التقرير لتـرتيب الدول؟
- هل تقدم مستوى دولة في حرية الصحافة مبني على علاقة الدولة بالمنظمة؟
هذه التساؤلات مشروعة وتقودنا إلى ثلاثة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: أن التقرير رصد مجموعة من التـراجعات من لدن الدول، وأخرى حققت تقدما،فخلال تقرير سنة 2009 كانت رتبة المغرب 127 ب 41 نقطة بينما تقرير 2010 تراجع فيه المغرب ب 8 نقط أي احتل المرتبة 135 ب 47 نقطة من مجموع الدول الذي بلغ عددها في التقرير 175.
نفس الملاحظة رصدها التقرير على تونس التي انتقلت من المرتبة 154 إلى 164 أي خسرت 9 مراتب بين السنتين 2008 و2009، ونفس الوضع كذلك في كل من اليمن وإيران.
فيما ذهب التقرير إلى اعتبار تقدم بعض الدول لحريتها الصحافية في كل من إسرائيل التي انتقلت من المرتبة 150 إلى 132 وفلسطين التي انتقلت من 161 إلى150،كما تقدمت الجزائر ب 8 مراتب ثم العراق ب 15 مرتبة.فيما سجل التقرير على تراجع في كلا من البحرين من 119 إلى 144 والكويت من المرتبة 60 إلى المرتبة 87.
الملاحظة الثانية: تتجلى في سلوك الفاعلين في تعاملها مع هذا التقرير،غالبا يتخذ هذا السلوك اتجاهيين:الاتجاه الأول، يعتبر أن هذا التصنيف موضوعي ومنهجي لكون المنظمة على علم من انتهاكات حرية الصحافة على المغرب ،وبالتالي بالتقرير مبني معطيات ووقائع في تصنيف الدول.أما الاتجاه الثاني، يعتبر أن هذا التصنيف غير مبني على معطيات وأحداث موضوعية فهو أحيانا يرصد حالات خارج زمنيته،وبالتالي فالتقرير تشوبه تناقضات وتوجهات سياسية أكثر مما هي مهنية.
الملاحظة الثالث:تتجلى بالأساس على أرشيف منظمة مراسلون بلا حدود الذي تعتمد عليه لبناء التقرير،هل حجم الأحداث(كل ما يتعلق بانتهاك حرية الصحافة) كافي لبناء التقرير وتقديم دولة على أخرى؟هل الاستناد إلى حدث واحد من لدن المنظمة على دولة ما قابلة لأن تجعلها المنظمة ضمن قائمة تصنيف الدولة؟"هذه التساؤلات قابلة للدراسة وليس لمقال صحفي الذي سوف يصبح بعد غد شيء غير مرغوب فيه".
وبالتالي،فالدول التي ذكرناها سالفا يستند ترتيبها لأحداث ليست في زمنية التقرير وليست أحيانا لموضوع المادة الإعلامية وهنا نتساءل لماذا تصنيف هذه الدول وفق هذه الأحداث؟ فمثلا:المغرب مبني تصنيفه إلى (9) أحداث التي وقعت خلال السنة وخارجها أحيانا،ثم البحرين (3) أحداث ،الكويت (8) أحداث،إسرائيل (13) حدث،سوريا (8) أحداث،موريتانيا (3) أحداث ،الباكستان وأفغانستان (1) حدث،العراق وتونس (29) حدث.
وترتيبا لهذا، يمكن للمنظمة أن تحصل على معلومات قليلة في شأن موضوع التقرير وتكون بالتالي مرتبتها أكثر من الدول التي تنتهك حرية الصحافة الذي يكون عدد أحداث أكثر من الأولى.هنا نتساءل لماذا لا نعتبر أن الدول التي تحصل المنظمة على عدد كبير من الأحداث هي الدولة التي لها حرية الصحافة لكونها متفتحة على الآخر ولكون أن جميع الأحداث التي تتعلق بالصحافة تنشر علانية سواء تعلق الأمر بالمحاكمات أو التعبير عن الرأي. ومقابل هذا تكون الدول التي تحتوي المنظمة على حدث واحد هي التي تنتهك حرية الصحافة لماذا؟لأن تلك الدولة ليس لها حرية الصحافة في الأصل وتنتهكها بسرية كل من تجاوز خطوط الحمراء، وبالتالي تكون الصحافة لتلك الدول ليس لها الحرية في التعبير .إذن فهل يمكن أن نصنف هذه الدول وفق عدد الأحداث؟وهل يمكن أن نصنف ترتيب هذه الدول وفق انخفاض عدد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الصحافيون وبالتالي يكون مؤشر تقدم الدولة في مجال الصحافة على باقي الدول الأخرى(التقرير استند إلى هذا على دولة الجزائر)،أو تحسن الأوضاع الأمنية في الدولة مؤشر للحصوص على نقط أكثر من الدول(حالة العراق)،أو إفراج عن صحفي أو تأجيل المحاكمة يشكل مؤشر تراجع الدولة في حرية الصحافة(حالة المغرب).
نتيجة لهذا يمكن الخروج بالخلاصات التالي:
الخلاصة الأولى: إن تقرير مراسلون بلا حدود الذي طرحنا أسئلة عليه غير محدودة ،يعتبر مساهمة فعلية حول تصنيف حرية الصحافة في العالم الذي خلق نقاش أثناء صدوره والذي سيخلق نقاش على مستوى الأكاديمي في المستقبل، وبالتالي فهذا التقرير قابل للتأويل من خلال مضامينه ومعايير ترتيب الدول ومدى حق تقديم دولة على أخرى.
الخلاصة الثانية:أن التقرير تشوبه عدة ثغرات من حيث حجج الأحداث الذي تستند إليها المنظمة ومن حيث تكرار بعضها حيث لا توجد في زمنية التقرير،وبالتالي يمكن الدعوة إلى البحث عن آليات ونمذجة المعلومات من خلال دولة موضوع الأحداث ومعرفة المعايير التي تعتمد عليها المنظمة لبناء تقريرها.
طالب باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.الرباط –أكدال.